الارشيف / أسواق المال / اقتصاد عالمي / موقع البورصة اليوم

البؤر الملتهبة لأزمة العملات الدولية

13 دولة تتصدر قائمة بنك التسويات الدولية لمخاطر انهيار العملة

11.5 تريليون دولار قيمة الديون الدولارية غير المصرفية عالمياً

ما الذى تشترك فيه الليرة التركية، والريال الإيرانى، والروبل الروسى، والروبية الهندية، والبيزو الأرجنتينى، والبيزو التشيلى، واليوان الصينى والراند الجنوب أفريقى؟.. لقد انخفضت جميعها بشكل مطرد هذا العام، وسجل بعضها تراجعاً كبيراً خلال أيام قليلة، لكن هذه ليست القصة كلها بل ما يستحق البحث هو أن كل هذه الدول تجلس على قنبلة موقوتة للديون المقومة بالدولار الأمريكى.


بدأت فصول هذه القصة فى تسعينيات القرن الماضى مع جمع العديد من الدول كميات كبيرة من الديون بالدولار، حيث كانت طريقة فعالة لبدء النشاط الاقتصادى، وطالما بقيت عملاتهم قوية نسبياً مقابل الدولار، كانت العملية خالية من المخاطر إلى حد ما، وتضاعف منذ عام 1990 إلى عام 2000 الدين المقوم بالدولار ثلاثة أضعاف من 642 مليار دولار إلى 2.17 تريليون دولار.


بعد ما يقرب من عقدين آخرين وصلت المشكلة الآن إلى ذروتها مع تضخم الدين المقوم بالدولار حيث اظهر أحدث تقرير ربع سنوى لبنك التسويات الدولى أن الديون الدولارية للمقترضين غير المصرفيين بلغت 11.5 تريليون دولار فى مارس 2018 وهو أعلى رقم مسجل فى 55 عاماً.


وفى غضون ذلك ارتفعت قيمة الدولار وسط انتعاش عالمى بطيئ من الأزمة المالية عام 2008، ومع ضعف عملات البلدان المدينة مقابل الدولار، أصبح من الصعب على بعض البلدان سداد ديونها وقد تكون هذه فقاعة تنتظر الانفجار، خاصة إذا كانت الدول الضعيفة لا تملك خيارات السياسة النقدية لحماية نفسها.

أشعلت تركيا الاهتمام الدولى بتهاوى العملات الناشئة أمام الدولار القوى، لكنها باتت عرضة بشكل خاص لتقلبات قيمة الليرة؛ بسبب هيكل ديونها الذى يحتوى على عملات أجنبية بمعدلات كبيرة.


وزاد الأزمة اختلاط تقلبات العملة بعدم اليقين السياسى، والأهم من ذلك الدخول فى خلاف مع الدولة الأم للدولار «الولايات المتحدة»، خاصة أن ديون تركيا المقومة بالدولار تقترب الآن من ضعف احتياطياتها الأجنبية الإجمالية تقريباً.


لكن تركيا ليست وحدها، فقد انخفض عدد من عملات الأسواق الناشئة التى كانت قد تراجعت بالفعل على مدار العام مع انتشار أنباء انهيار الليرة، وكان أكبر انخفاض هو البيزو الأرجنتينى، الذى انخفضت قيمته مقابل الدولار %9.5 خلال أسبوع واحد، والراند الجنوب أفريقى الذى انخفض بنسبة %8 تقريباً.


كما تأثرت عملات أخرى، أيضاً، فقد انخفض البيزو التشيلى، بنسبة %3.4 فى الأسبوع الثالث من أغسطس الماضى، فى حين وصلت الروبية الهندية إلى مستوى قياسى منخفض أمام الدولار خلال تعاملات يوم 14 أغسطس.


وما تشترك فيه هذه الدول هو أنها موجودة بقائمة تضم 13 دولة صادرة عن بنك التسويات الدولية تشكل مجتمعة %62 من جميع الديون المقومة بالدولار التى تحتفظ بها اقتصادات الأسواق الناشئة.


وتعتبر تركيا واحدة من أكثر الفئات ضعفاً فى القائمة، ولكن هناك 4 بلدان أخرى تواجه تحديات مماثلة، وهى الأرجنتين، والمكسيك، وتشيلى، وإندونيسيا، ويعيش البيزو الأرجنتينى بالفعل حالة سقوط حر، ما دفع الحكومة للإعلان عن بيع احتياطيات بقيمة 500 مليون دولار، ورفع أسعار الفائدة لوقف هبوط العملة المحلية.


ثم هناك المكسيك، التى تبلغ قيمة ديونها 271 مليار دولار؛ حيث تحمل ديوناً مقومة بالدولار أكثر من أى دولة أخرى فى القائمة باستثناء الصين، وهذا يتجاوز بكثير احتياطيات المكسيك الرسمية.


وكما هو الحال فى تركيا، فإنَّ الديون المقومة بالدولار هى حصة كبيرة بشكل غير متناسب من الدين الخارجى الإجمالى للمكسيك، أى بنسبة تقترب من %60، وبالتالى فإن نفوذ الدولار على المكسيك قوى بشكل خاص، وحتى الآن، بقى البيزو المكسيكى صامداً، وهو حالياً فى مستوى أعلى بقليل من بداية 2018، وانخفض بنسبة %0.3 فقط فى الأسبوع الثالث من أغسطس الماضى.


ولكن إذا بدأ البيزو المكسيكى يضعف على خلفية مفاوضات اتفاقية تحرير التجارة لدول أمريكا الشمالية والتى دخلت مساراً أكثر صرامة مما كان متوقعاً، بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسى المحيط بالرئيس الجديد أو أى طارئ آخر، فإنَّ المكسيك قد تكون سيئة كما هو حال تركيا الآن.


وفى زاوية أخرى من العالم، توجد قصتان متشابهتان فى إندونيسيا وتشيلى، لكن الأولى أصبحت فى وضع أفضل قليلاً؛ حيث يبلغ إجمالى دينها الخارجى %35 من الناتج المحلى الإجمالى، و%47 من الدين المقوم بالدولار، لكن ليس لديها الكثير من الاحتياطيات، وظلت عملتها تظهر علامات ضعف بانخفاض %10 تقريباً مقابل الدولار هذا العام.


بالنسبة لتشيلى، تعتبر النسبة المئوية للديون المقومة بالدولار كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى هى الأعلى فى جميع البلدان المسجلة بقائمة بنك التسويات الدولية وهى نسبة كبيرة تصل إلى %36، ويبلغ إجمالي نسبة الدين الخارجى إلى الناتج المحلى الإجمالى %66، غير أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن احتياطى تشيلى بلغ 37 مليار دولار فقط فى يونيو 2018 ، أى ما يعادل حوالى ثلث إجمالي ديونها المقومة بالدولار والبالغة 100 مليار دولار.

أزمة عملة بأعراض مختلفة

توجد 6 بلدان أخرى، هى البرازيل، والهند، وكوريا الجنوبية، وماليزيا، وروسيا، وجنوب أفريقيا تواجه مشاكل مختلفة، ولكنها ذات صلة بحركة العملة المحلية مقابل الدولار.

فى جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، تصر الحكومة على أنها لن تتدخل لوقف تراجع الراند ولكن ذلك فقط لأنه ليس لديها احتياطيات كافية لتغطية ما لديها من دين. وتشير البيانات التى أوردها تقرير مجلة «جيوبولتيكل فويتشر» إلى أن احتياطياتها البالغة 50.6 مليار دولار يمكن أن تسدد فقط %28 من إجمالى الدين الخارجى.

البلدان الخمسة الأخرى فى وضع أفضل عندما يتعلق الأمر بالاحتياطيات، وبالرغم من أنها تمتلك كميات أكبر من الديون المقومة بالدولار، فإنها تمتلك الكثير من الاحتياطيات، والقضية بالنسبة لهذه البلدان هى الديون الخارجية الأكبر، فهنا لن يشل الدولار الأمريكى القوى هذه الاقتصادات، ولكنه قد يضع ضغطاً كافياً عليها لإجبارها على التدخل النقدى.

وتعتبر دول مثل السعودية والصين معزولة بشكل خاص عن أزمة العملة فى الأسواق الناشئة، وقد تعرضت عملة الأخيرة للضغط، مؤخراً، لكنَّ بكين اختارت حتى الآن ألا تدع اليوان ينزلق بعيداً؛ حيث تملك 548 مليار دولار من الديون المقومة بالدولار، لكن هذا يمثل فقط %4 من الناتج المحلى الإجمالى للصين، ويبلغ إجمالى الدين الخارجى للصين إلى الناتج المحلى %14 وهو أقل البلدان فى هذه القائمة، كما أن لدى الصين صندوق حرب بقيمة 3.2 تريليون دولار احتياطيات أجنبية يمكنها أن تستخدمها.

فى المقابل تتمتع المملكة العربية السعودية بميزة الاحتياطيات الأجنبية الوافرة أيضاً وسيكون عليها بالتأكيد أن تستخدمها إذا لزم الأمر، فالريال السعودى مربوط بالدولار، وهذا يوفر الاستقرار لكنه يرفع تكلفة السياسة النقدية للبلاد؛ حيث تضطر لأن تشترى وتبيع الاحتياطيات للحفاظ على معدل الارتباط.

وبالرغم من أن الرياض لديها أكثر مما يكفى من المال للعب مع هذه المعادلة، فإنَّ هذه الأموال أقل مما كانت عليه فى السابق، وفى الواقع، تم حرق جزء من احتياطياتها خلال السنوات الأخيرة بنحو 233 مليار دولار منذ عام 2014 لتمويل مغامراتها فى الخارج مثل حرب اليمن وعجزها الحكومى، وتواجه الرياض العديد من المشاكل التى تحتاج إلى حل، لكن أزمة العملة على الأرجح ليست واحدة منها.

هذه ليست قائمة شاملة؛ حيث تشكل الاقتصادات التى شملتها دراسة بنك التسويات الدولية %37 فقط من إجمالي الديون المقومة بالدولار فى جميع أنحاء العالم، وهذا يعنى أن هناك 7.2 تريليون دولار أخرى فى مثل هذا الدين بالنظام العالمى.

لكن التحذير الأساسى هو أنه ما بدأ فى تركيا قد ينتشر إلى بلدان أخرى مستبعدة من تقرير بنك التسويات الدولية إذا عانت من معدلات ادخار منخفضة ومعدلات تضخم مرتفعة، لكن الدول التى يشعر العالم نحوها بقلق بالغ فى هذه المرحلة هى الأرجنتين والمكسيك وإندونيسيا وتشيلى رغم أنه من السابق لأوانه تسمية ما يجرى بأنه أزمة مالية عالمية كاملة.

عوامل خارجية ترسم مسار الحل

أشار التقرير إلى الأثر السلبى لعوامل خارجية كما هو الحال فى النموذج التركى والذى قد يتكرر فى الأسواق الناشئة التى تعانى، حالياً، تشنجات مالية، فالصين تغامر بضخ استثمارات كبيرة لدعم أنقرة التى تتميز ببيئة جاذبة للاستثمار مقابل قلق متزايد فى أوروبا من التعرض المحتمل لأزمة عملة والهجرة التى قد تنذر بها أى حالة عدم استقرار فى الاقتصاد العثمانى بجانب عدم اليقين بشأن الخطوات التالية فى سوريا، كما أن تفاقم الأزمة مع الولايات المتحدة عزز من مسيرة هبوط الليرة ولا أحد يعرف إلى أين ستتجه الأمور.

لكن الأزمة فى دول أمريكا اللاتينية لها خاصية جغرافية ضمنت لها العزلة عن الأحداث الكبرى فى بقية العالم، فبصرف النظر عن زراعة المخدرات والسلع والكوارث التى لا تنتهى فى فنزويلا، لم تأخذ أمريكا الجنوبية الكثير من الاهتمام فى الشئون العالمية بالآونة الأخيرة.

وتنال الأرجنتين الاهتمام الرئيسى؛ حيث يستمر البيزو فى الهبوط بمعدل مساو لليرة التركية، والأخيرة نالت الاهتمام الأكبر إعلامياً، لكن العملة الأرجنتينية لا تستجيب لتدخلات البنك المركزى بخلاف نظيرتها التركية رغم وجود برنامج إصلاح طموح والحصول على قرض وقائى من صندوق النقد الدولى.

ولا تزال الأرجنتين تواجه الآن بعض المشاكل مثل حدوث موجة جفاف كبيرة عطلت نمو القطاع الزراعى، وألحقت الضرر بالاقتصاد، ما دعا الرئيس موريسيو ماكرى إلى التحذير من أن التضخم قد يصل إلى %30 مرة أخرى بحلول نهاية العام.

وقالت الحكومة، إنها تدرس إلغاء تخفيض ضريبة تصدير فول الصويا، وزيت الصويا؛ بسبب الرغبة فى مزيد من الإيرادات الحكومية، وهى خطوة من المؤكد أنها ستثير غضب المزارعين، وكانت الأرجنتين فرضت حظراً لمدة يومين على هذه الصادرات لمنع المزارعين من البيع قبل سريان الإجراءات الضريبية الجديدة.

وما يمثل ثقباً فى جهود دعم العملات المحلية بأمريكا الجنوبية هو الضعف فى أسواق السلع، فالقهوة والسكر والنحاس ليست سوى بعض السلع التى تعتمد عليها اقتصادات القارة والتى انخفضت أسعارها خلال الأسابيع الأخيرة.

وتعانى البرازيل مشاكل العملة الخاصة بها، وانخفض السعر الحقيقى بنسبة %20 أمام الدولار العام الجارى، وهو الآن يحوم عند أدنى مستوى له منذ عامين.

كما انخفضت عملة تشيلى بنسبة %10 تقريباً أمام الدولار، كما أن الديون الخارجية للبلاد التى تبلغ قيمتها 184 مليار دولار، مقارنة بالاحتياطيات الرسمية الضئيلة التى تبلغ قيمتها 37 مليار دولار قد أثارت قلقاً بشأن الصدمات المحتملة هناك.

وبدأت حالة التدهور فى فنزويلا تتسرب إلى الإكوادور وبيرو؛ حيث تم وضع شروط جديدة للدخول فى محاولة لوقف تدفق اللاجئين الفنزويليين واضطرت القوات العسكرية البرازيلية المتمركزة بالفعل على الحدود للتدخل لحماية مخيم فنزويلى للاجئين فى البرازيل من الهجوم الذى شنه حشد من المواطنين المحليين.