الارشيف / الفن / بوابة الشروق

في ذكراه 150: أغاني أحمد شوقي العامية.. هديته الخالدة «للِّي يحب الجمال»

خمس أغنيات تشرح كيف قدم أمير الشعراء مع موسيقار الأجيال نسخة مخففة من الكلمات الفصيحة؟


كانت علاقة أمير الشعراء أحمد شوقي ممتدة بالطرب والغناء، ووصفه موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب في حواره التليفزيوني المطول مع سعدالدين وهبة "النهر الخالد" بأنه كان "سمّيع كبير للموسيقى بأنواعها".
أحب شوقي أساطين الغناء الثلاثة في فترة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ عبده الحامولي وسلامة حجازي وسيد درويش، وكتب قصائد ترثيهم، في سياق إبداعه الأدبي المؤرخ لأحاديث عظام عاشها المجتمع المصري في حياته.
لكن شوقي لم يخرج عن تقليد الكتابة بالعربية الفصيحة إلى الكتابة بالعامية، وهو المتوج أميراً للشعر العربي، إلاّ بعد تعرفه على عبدالوهاب، الشاب النحيل المولود في باب الشعرية، والذي وصفه شوقي بقوله:
إن في ملك فؤاد بلبلاً ... لم يتح أمثاله للخلفاء
بدأ شوقي في منتصف العشرينيات يشعر باتجاه المطربين المتنامي للغناء باللهجة العامية بدلاً من اللغة الفصحة حتى في المسرحيات والمشاهد التمثيلية، ويرى بعض المؤرخين أنه كان "غيوراً" من نجاح شعراء العامية الصاعدين في ذلك الوقت مثل: بديع خيري، ومحمد يونس القاضي، وأحمد رامي.
أنتج شوقي حوالي 15 قصيدة عامية، غنى منها عبدالوهاب 11 قصيدة.
تميزت لغة شوقي العامية بالرقيّ والصعوبة في آن، عاكسة محاولته لتخفيف الفصحى لتسهل ألفاظها في أفواه العامة، وليس جلب الألفاظ العامية الصريحة لتحل بدلاً من نظائرها الفصيحة.
كما تميزت هذه القصائد على قلتها العددية، بأنها صكت العديد من العبارات التي أصبحت مضرباً للأمثال فيما بعد حتى على ألسنة العامة، والتي استعان بها شعراء وكتاب آخرون في أعمال لاحقة.
في ذكرى ميلاده 150 تذكركم "الشروق" بأهم 5 قصائد عامية كتبها شوقي وغناها عبدالوهاب، مرتبة من حيث الأهمية في تاريخ الغناء العربي.

 

5- دار البشاير 1924


كتبها شوقي احتفالاً بزواج ابنه وغناها عبدالوهاب في حفل أقيم بدار شوقي على نيل الجيزة، والمعروف حالياً بـ"كرمة ابن هانئ" بحضور سعد زغلول وكبار السياسيين والأدباء والصحفيين.
تعود أهمية الأغنية لأنها النص العامي الأول الذي يغنى لشوقي، واختار عبدالوهاب للحنه مقام البياتي، الذي كان المفضل لدى شوقي.
من كلماتها:
دار البشاير مجلسنا ... وليل زفافك مؤنسنا
إن شا الله تفرح يا عريسنا ... وان شا الله دايما نفرح بك

 

4- شبكتي قلبي يا عيني 1927


على مقام جهاركاه قدم عبدالوهاب هذه القصيدة في عامه الذهبي الأول 1927.. سريعة رشيقة تمثل حواراً مزدوجاً.. الأول ذاتي بين العاشق وعينه التي أحبت وعذبت قلبه.. والثاني مناجاة بين العاشق ومحبوبته البعيدة بطبيعة الحال.
رغم الملامح التقليدية في لحن وكلمات هذه الأغنية، إلاّ أن كلماتها الرشيقة أوحت لكتاب كثيرين في سنوات لاحقة استخدام فكرتها، خاصة في ختامها:
توحشني وإنت ويايا ... واشتاق لك وعينيك في عينيا
أتذلل والحق معايا ... وأعاتبك مانهونش عليا
في عام 1965 غنت أم كلثوم من كلمات أحمد رامي وألحان عبدالوهاب أغنية "إنت الحب" التي تضمنت في أبرز مقاطعها عبارة:
واحشني وانت قصاد عيني ... وشاغلني وانت بعيد عني

 

3- اللي يحب الجمال 1927


هذا المونولوج الشهير الذي قدمه عبدالوهاب فيما يمكن اعتباره "عامه الذهبي الأول" فكرته الأساسية شكوى ما يكابده العاشق في عشقه من آلام، لكن شوقي ابتعد تماماً عن كل ما قيل في هذه الفكرة التقليدية، ورسم صوراً عديدة في قصيدة واحدة، من أرق العاشق في مخدعه، إلى نوم المعشوقة هانئة، حتى يصل شوقي لوصف الحب بكلمات من أحلى ما كتب عنه بالعامية:
الحب طير في الخمايل ... شفنا غرايب جنونه
حاكم بأمره وشايل ... على جناحه قانونه
تيجي تصيده يصيدك ... ومين سلم من حباله
وكل خالي مصيره ... يعذب الحب باله
كلمات كـ"قانون، صيد، حبال" لم تكن -ولم تصبح أيضاً- شائعة الاستخدام في أغاني عامية، وعبارة "تيجي تصيده يصيدك" أصبحت مثلاً دارجاً يطلق على الشيء أو الشخص الذي لا يمكن الفكاك منه.
ينهي شوقي القصيدة ببيت مثير أيضاً:
الاسم عين وتلاقيها ... قدح وخمرة وساقي
وسحبة الرمش فيها ... من بابل السحر الباقي
جرأة غير مسبوقة في استخدام ألفاظ فصيحة مخففة في أغنية عامية.
وفي الحقيقة ففكرة "الرمش البابلي" أي المكحل بأفضل أنواع الكحل الواردة من أرض بابل، ليست جديدة على شعر شوقي، ففي قصيدته المعروفة بـ"سود العيون" يقول مطلعها:
السحر من سود العيون لقيته ... والبابلي بلحظهن سقيته
الفاترات وما فترن رماية ... بمسدد بين الضلوع مبيته
ويقول عبدالوهاب عن هذا البيت في حواره مع سعدالدين وهبة إنه أعجب بالبيت الأخير بسبب استخدام كلمة "بابل" باعتبارها كلمة غريبة على مسامع عوام المصريين آنذاك، مما يحمّل البيت بمعان جديدة مثيرة.

2- النيل نجاشي 1933


من آخر القصائد التي كتبها شوقي، وبالتأكيد آخر ما كتب بالعامية، غناها عبدالوهاب في فيلمه الأول "الوردة البيضاء".
شأن معظم أغاني عبدالوهاب الوطنية أو التي تتحدث عن مصر قبل 1952، تمجّد كلمات شوقي النيل بصورة تمثيلية وعاطفية شعبية، دون صخب أو ادعاء، فيتنقل من الحديث عن أهميته لمصر والدعاء ببقائه، إلى عرض مشهد يصور النيل مرتعاً للهو ومرح العشاق، مستعيناً بكلمات متداولة على ألسنة "الفلايكية وصنايعية السفن" مثل "صلح قلوعك يا ريس".
كما صكت الكلمات تعبيراً مازال يستخدم في وسائل الإعلام هو "النيل نجاشي" في إشارة لتدفق شريان مصر من هضبة الحبشة حاملاً صفات الكرم والنبل والشهامة التي اتسم بها حاكم الحبشة المخلد في التراث الإسلامي.
وشأن الكلمات نجد اللحن متدرجاً متموجاً، بين التمجيد، والدعاء، ثم وصف المشهد التمثيلي خارج الفلوكة بالنداء الحواري، ثم داخلها عندما "دارت الألحان والراح".

1- في الليل لما خلي 1932


يعتبر كثير من المؤرخين الموسيقيين هذه الأغنية نقطة تحول في الموسيقى العربية وليس في أعمال عبدالوهاب فقط.
الأغنية وصفية تعبيرية عن حالة نفسية، والكلمات مغرقة في الشاعرية والتأمل، ليس بها حوار مع الحبيب أو طيفه أو خياله ولا مع القلب أو العين وليس بها دعاء أو مناجاة لله، بل وصف ليل ساكن موحش مظلم "مالوش آخر" ثم وصف آخر لطلوع الفجر وتبديد النور للظلمة.
هذا الاتجاه كان جديداً تماماً على الغناء العربي، وواكب عبدالوهاب الكلمات بلحن حزين يكاد يقطر دمعاً على ألفاظ مثل "الصارخ، الشاكي، البكا، النواح، الظلمة، الوحشة، السكون، الساهر سوالي، جرح، مفارق، بعاد المواجع".
ويلاحظ هنا أن شوقي أسهب في استخدام ألفاظ فصيحة في سياقات مخففة كقوله:
هنا نواح ع الغصون ... وهناك بكا

تابع من المصدر

قد تقرأ أيضا