الارشيف / الفن / الجزيرة نت

موسيقى الراي.. شجون الذات من الجزائر والمغرب للعالم

  • 1/2
  • 2/2

الجزيرة نت-وجدة

قبل أن تكون هناك حدود بين المغرب والجزائر لم يكن أحد يعير الاهتمام لمن هو السباق في شيء ما، المغرب أو الجزائر؟ لكن مع تصاعد حدة التوتر في العلاقات بين البلدين وتداخل السياسي بمجالات متعددة كالفن، يطرح البعض سؤالا في كلا الاتجاهين، هل الراي جزائري أم مغربي؟

 

وبلغت شدة الصراع بين الطرفين على فن الراي إلى المحافل الدولية التي تعنى بالثقافة والفن، حيث تقدمت الجزائر بطلب رسمي إلى منظمة اليونسكو لتسجيل الراي موروثا وطنيا خالصا للجزائريين، من جانبها تقدمت جمعية وجدة فنون المنظمة لمهرجان الراي بمدينة وجدة شرق المغرب أيضا بطلب لتسجيله تراثا مغربيا.

 

وإذا كان الخلاف الجزائري المغربي الذي عمر عدة عقود ما زال يراوح مكانه، فإن أغنية الراي تجاوزت حدود الجغرافيا وانطلقت في سماء العالمية، فكيف نشأ هذا الفن؟ وكيف وجد له مكانا وسط هذا العالم المزدحم بالتعبيرات الفنية؟

 

النشأة والتطور
في بدايات القرن الماضي لم يكن من تعبير فني في منطقة الشرق المغربي والغرب الجزائري أكثر شهرة من الأغنية البدوية، التي اعتمدت على نصوص الملحون، وكان يطلق على رواد هذه الأغنية الشيوخ، لكن هل كان هؤلاء الشيوخ يتوقعون أن المواويل التي أطربوا بها القبيلة ستكون سببا في ولادة الراي؟

 

هذا السؤال طرحته الجزيرة نت على الباحث في التراث والفن ميمون الراكب، الذي أكد أن الأغنية البدوية المتأثرة بنصوص الملحون ظلت حبيسة القبيلة، كتعبير عن الذات، وعما يخالجها في إطار النظام القبلي.

 

لكن الفنان عندما انتقل إلى الحياة المدنية وجد نفسه من دون حماية القبيلة، ومضطرا للتعبير عن مكنونات نفسه، ومن هنا استمد فن الراي اسمه بحيث كان تعبيرا عن الذات وشكلا من أشكال مناجاتها، أو كما يقول الراكب، الراي هو تعبير الإنسان البدوي بلغة المدينة.

من الشيوخ إلى الشباب
جيل الأربعينيات يتذكر جيدا كلمات أغنية "سعيدة بعيدة والماشينة غالية" (سعيدة بعيدة والقطار غال)، التي أداها جملة من شيوخ ذلك العصر، وتشير بعض الكتابات التي أرخت لهذه الحقبة إلى أن القصيدة من تأليف محمد زروال الذي لقب بالشيخ زروال، لكن الأغنية اشتهرت مع أداء الشيخة الريميتي إحدى شيخات الراي الأولى أو من الجيل المؤسس للراي الذي كان يكنى حينها وفق الكاتب والصحفي الجزائري شهر الدين بالرياح بالفن الوهراني أو الفلكلور الوهراني.

ويضيف الكاتب والصحفي الجزائري في تصريح للجزيرة نت أن الشيخة الريميتي كانت تشكل استثناء في زمنها بالتمرد على التقاليد والخروج عن المألوف، من خلال ما كانت تؤديه من أغان تستحضر المعاش اليومي بكل تجلياته المحرجة في كثير من الأحيان، بل كان ذلك سببا في التمرد حتى على وسطها العائلي.

وفي فترة الستينيات برز اسم آخر هو بوتلجة بالقاسم صاحب الأغنية المشهورة "ميلودة وينت كنت؟"، وهو من الفنانين الذين شكلوا حلقة وصل بين الجيل الأول من رعيل الشيخة الريميتي والجيل الجديد الذي انطلق معه الراي في ولادة جديدة مع بداية سبعينيات القرن الماضي عندما اتفق على أن التعبير الفني الجديد سيأخذ اسم الراي.

الشاب مامي (الجزائري) من الوجوه التي ساهمت في الإشعاع العالمي لفن الراي (رويترز)

الراي الذي نعرف اليوم أو الراي العصري على حد تعبير بالرياح هو الراي الذي كان لعدد من رواده أمثال الشاب خالد واسمه الحقيقي (خالد حاج ابراهيم) دور في انتشاره من خلال إدخال الآلات الموسيقية الإيقاعية كالطبلة، والدرامز وغيرها من الآلات.

وارتبطت الولادة الجديدة للراي بأسماء أخرى شكلت الجيل الأول ما بعد التجديد والانتقال من مرحلة الشيوخ إلى الشباب، منهم الشاب مامي الذي لقب بأمير الراي.

وفي المغرب برزت أسماء عديدة في هذه الفترة، لعل أبرزها ميمون بكوش الشهير بميمون الوجدي، الذي وافته المنية يوم السبت 3 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بعد صراع طويل مع المرض.

ودائما كانت تقرن وجدة الواقعة على الحدود مع الجزائر في تلك الفترة باسم ميمون الوجدي الذي غنى لها الأغنية الشهيرة وجدة يا النوارة (وجدة يا وردة).

من المحلي إلى العالمية
إذا كان البعض يشير إلى أن الفارق الذي أحدثته الآلة المستخدمة في الراي العصري هي التي منحته إيقاعات سريعة قريبة من الأغنية الغربية، مما سهل انتشار الراي على المستوى العالمي وبالخصوص في دول الجنوب الأوروبي، يرى أيضا الباحث ميمون الراكب أن احتضان بعض الشركات لبعض الأسماء كخالد ومامي في الخارج كان له دور، خاصة بعد تنظيم أول مهرجان للراي في باريس سنة 1987.

وكان للهجرة، حسب نفس الباحث، دور كبير، سواء في توظيف الآلات الموسيقية في الراي أو في نقله إلى الخارج، على اعتبار أن أزمة الاندماج التي تشكلت لدى شريحة واسعة من المهاجرين بسبب سياسات الدول المستقبلة دفعت بهؤلاء المهاجرين إلى تلمس الانتماء إلى الوطن عبر استحضار أغاني الراي.