الاخبار / عربي بوست

عربي بوست وائل غنيم يتحدث: كنت شاباً عادياً ثم انضممت للإخوان وتركتهم ومررت باكتئاب حاد بعد فشل مرسي ضجة الاخباري

قبل خمس سنوات، انهمرت دموعي بالتزامن مع إقلاع الطائرة. ولأول مرةٍ في حياتي، كنت يائساً من أجل مغادرة مصر، رغم جهلي بالوقت الذي سأصير فيه قادراً على العودة. وقبل بضعة أيام، أطاح انقلابٌ عسكري بمحاولتنا الفاشلة للتحوُّل إلى الديمقراطية، والتي كانت تبلغ من العمر عامين آنذاك.

قضيت غالبية حياتي بوصفي شخصاً غريباً. لم أنتمِ إلى أيّ أغلبية. حين كُنت طفلاً، كُنت الطفل المصري الذي نشأ في السعودية. وحين عُدت إلى مصر في الـ13 من عُمري، صرت «الطفل الذي عاد من السعودية». وفي الـ17 من عُمري، صرت مُتديِّناً؛ فوصفني أفراد عائلتي وأصدقائي بالمُتشدِّد. وحين صار عمري 30 عاماً، كُنت ناشطاً مجهول الهوية -لا يعرف أيّ نشطاء تقريباً. والآن، في الـ37 من عمري؛ أصبحت المصري الذي انتقل للتو إلى الولايات المتحدة، ويُكافح مرةً أخرى من أجل إثبات ذاته.

وتبدو طفولتي المُبكِّرة وكأنَّها مُحتواةٌ داخل فقاعةٍ محمية، إذ كُنت أذهب إلى المدارس الخاصة في السعودية ومصر، وقضيت غالبية وقتي في المنزل، وكان والداي يعرفان كل شيءٍ عن أصدقائي. ولكن في الـ14 من عمري، فجَّرت الفقاعة. وقررت مغادرة المدرسة الخاصة والانضمام إلى مدرسةٍ عامة.

وخلال يومي الأول في المدرسة العامة، أُصبت بصدمة، إذ كان فصلنا يحوي مقاعد لـ40 طالباً، ولكن يدرس فيه أكثر من 70. لم تكُن هناك مروحة، أو مكيف هواء، أو وسيلة تهوية. وكان فناء المدرسة ضخماً، لكنه لا يتسع لآلاف الطلاب.

وخلال يومي الثالث في المدرسة، اندلعت معركةٌ في الفناء. وكان الأطفال يتبادلون إلقاء الحجارة عشوائياً في منتصف الفناء. شاهدت الدماء، والسكاكين، والسيوف. ولم أسمع يومها سوى صرخات الغضب وأبواق سيارات الإسعاف.

صرت صديقاً لبعض زملائي في الفصل، الذين يتحدرون من عائلاتٍ منخفضة الدخل. وشهدت الصعوبات التي يُواجهونها في حياتهم. وجعلني ذلك أُدرِك لأيّ مدى كُنت آخذ أمور الحياة على أنَّها مُسلَّمٌ بها؛ ورغم ذلك، كان الخروج من الفقاعة التي خلقها والداي حولي، من أجل اختبار قسوة الحياة الحقيقية، واحداً من أفضل القرارات التي اتَّخذتها في حياتي.

علمت بوجود الإنترنت للمرة الأولى عام 1997. كُنت في الـ17 من عمري، حين دعاني ابن عمي لإلقاء نظرةٍ على أمر «شديد الروعة». وربط مودم بخط عائلته الهاتفي، فأعلنت صافرةٌ تُشبه صوت جهاز الفاكس عن بدء الجلسة. وقالت الرسالة: «أهلاً بك في مكتبة الكونغرس». كانت لحظةً سحريةً في حياتي. وفجأة، اختفت قيود الطائرات والحدود والتأشيرات.

صار حاسوبي هو صديقي المُفضَّل. كان ملاذي. وزدت مصادري التعليمية، فتعلَّمت الإنجليزية، وعلَّمت نفسي البرمجة. وسيطر الإنترنت على الجزء الأكبر من عالمي الحقيقي.

وشهد العام نفسه تحوُّلاً كبيراً في حياتي: إذ صرت متديِّناً مُتشدِّداً. إذ تُوفِّيَت ابنة عمي الشابة اللطيفة، داليا، في حادث سيارةٍ مُروِّع وهي في الـ25 من عمرها. ودمَّرتني خسارتها. وإبان وفاتها، تغلغلت كلمات أحد أفراد الأسرة إلى ثنايا عقلي: «الحياة اختبار. وسنموت جميعاً عاجلاً أم آجلاً. وحينها سنعيش في نعيمٍ أبدي، أو جحيم أبدي. وأنت من يختار ما تريده».

ولم أكُن أرغب في جحيمٍ أبدي.

وفي وجود ذلك الخطر المُحدق فوق رأسي؛ بدأت في اتِّباع تعاليم الرسول وصحابته بدقة. وسعيت لأكون أفضل نسخةٍ مسلمةٍ من نفسي، إذ كُنت أصلي الفروض الخمسة في المسجد، وأحضر الدروس الدينية التي تُعقد على بعد أميالٍ من منزلي بصفةٍ شبه يومية.

وفي المسجد، لاحظت مجموعةً من الشباب الصغير الذين بدوا مرتبطين للغاية ببعضهم البعض. ورغبت في الانضمام إلى مجموعتهم، وقضيت الكثير من الوقت حولهم. ومع زيادة تقاربنا، اعترف لي أحدهم في النهاية بأنَّهم جميعاً أعضاءٌ في جماعة الإخوان المسلمين. وأخبرني في النهاية أنَّهم يُريدون مني أن أنضم لجماعتهم.

كُنت مُشوَّشاً. لماذا أخفوا الأمر عنِّي طوال تلك الشهور؟ هل كان يجب أن أُشكِّك في نواياهم؟ ولكن بعد أن قرأت المزيد حول الجماعة، صرت مُؤمناً في النهاية برؤيتهم لاستعادة كرامة أمتنا الإسلامية. وكانوا يُبشِّرون بأنَّ مصر هي قلب العالم الإسلامي، وفي حال نهوض الإسلام من مصر، فسينهض الإسلام في كل مكان. وفي الـ17 من عُمري، بدا ذلك وكأنَّه هدفٌ عظيم لحياتي.

وكانت الجماعة مُنظَّمةً بحسب المواقع الجغرافية. وكُنت أنتمي إلى «أسرةٍ» من ستة أفراد، يعيشون في منطقتي، وكُنَّا نلتقي أسبوعياً لقراءة القرآن والحديث وتعاليم علماء الإسلام وقادة الحركة. كُنت أُعتبر «معجباً»، وهي المرحلة التي تسبق كوني عضواً كاملاً في الجماعة. كان عليّ أن أُثبِت ولائي للأيديولوجية قبل اعتباري عضواً كاملاً في جماعة الإخوان المسلمون.

في النهاية، أدركت الطبيعة السرية لجماعة الإخوان المسلمين، والمخاطر التي يتعرضون لها باستمرار، والتي دفعتهم إلى وضع هذه الأنظمة الصارمة. القيادة تُقدّر الولاء، وتعتبر الأسئلة تهديداً لجماعتهم. لم أستغرق وقتاً طويلاً حتى أقرر الابتعاد.

شعرت بالحزن والاكتئاب، ودفعني ذلك إلى تأسيس موقعٍ إلكتروني إسلامي، دون الكشف عن هويتي، تحت اسم «طريق الإسلام» لبث المحاضرات الإسلامية للبشر من جميع أنحاء العالم.  كنت ما أزال مفتوناً بالإنترنت، وكيفية تمكينه الأفراد للوصول إلى ملايين البشر من وراء شاشة، ولم أكن أعلم أنني سألتقي إلكا، زوجتي، على موقع «طريق الإسلام». كانت واحدةً من مستخدمي الموقع، مسلمةٌ جديدة تتوق إلى معرفة المزيد عن الدين. في ذلك الوقت، كان عمر إلكا 24 عاماً، وعمري 20. وعلى الرغم من آلاف الأميال التي تفصل بين منزلها في كاليفورنيا وبين منزلي في القاهرة، بدأنا علاقةً جميلة صمدت لمدة 17 عاماً من الحب والكفاح. وتزوَّجنا في أول يوم التقينا فيه في الحياة الواقعية.

ولكن بالرغم من العلاقات الجديدة السعيدة التي أحظى بها، فإنَّ كونك متديناً في مصر يعرضك لمخاطر جمّة. إذ اتخذت الحكومة إجراءات قمعية صارمة ضد الحركات الاجتماعية، خاصةً ذات الطابع والخلفية الدينية، وعشت في خوفٍ دائم من أن يكتشفوا أنني من يدير موقع «طريق الإسلام». لم يكتشف أمن الدولة سرّي قط في ذلك الوقت، ولكن صديقي المقرّب ياسر، الذي ساعدني في تأسيس وإدارة الموقع، كان مصيره مختلفاً.

في أحد الأيام، وفي طريق عودته من المدرسة، ألقى ضباط أمن الدولة القبض على ياسر عشوائياً بموجب قانون الطوارئ بسبب لحيته. وعلى مدار الشهور التالية، تعرَّض ياسر لتعذيبٍ شرس. صُعق بالكهرباء، وحُرم من الطعام والنوم، وعُلِّق رأساً على عقب لساعات دون السماح له بشرب المياه. أراد معذبوه أن يعترف بانضمامه لخليةٍ إرهابية.

لن أنسَ أبداً وجه ياسر حين أُفرج عنه. كانت روحه محطمة. كل ما رأيته وقتها كان وجهاً بُنياً شاحباً، ومملوءاً بالألم، وحزناً دائماً لا يغيب. وحلق لحيته.

وخلال الأعوام التالية، بقيت متوارياً عن الأنظار وتمكنت من تحقيق ما قد يعتبره الكثيرون نجاحات. ففي عام 2008، أنهيت دراسة ماجستير إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وانضممت لشركة جوجل. وبحلول عام 2010، انتقلت إلى دبي لقيادة عمليات جوجل التسويقية في منطقة الشرق الأوسط. عشت في فيلا فارهة، وحصلت على دخلٍ مرتفع. ووهبني الله زوجةً رائعة، وطفلين مذهلين.

ولكنَّني لم أكن سعيداً بما يجري في مصر. كنت أؤمن بالمسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتق أمثالي ممن لديهم الوعي، وحصلوا على تعليمٍ مناسب، تجاه الأقل حظاً. وكانت مصر على شفا تغييرٍ كبير.

بدأت اهتماماتي السياسية حين أعلن محمد البرادعي، المصري الحاصل على جائزة نوبل للسلام، عن نيته الترشح لمنصب رئيس مصر في انتخابات 2011. رأيت بارقة أملٍ بأن مصر قد تتغير، وأنَّه قد يكون بديلاً مناسباً لمبارك. في البداية انضممت إلى بعض الاجتماعات مع فريقه، وغيرهم من النشطاء السياسيين، ولكن مع كل حالة اختطاف أو تعذيب في السجن لأحد النشطاء في حملته، أصبحت واعياً تماماً بمخاطر المشاركة. لذا، لجأت إلى صديقي القديم؛ الإنترنت. وقرَّرت استخدام القوة مجهولة الهوية للمطالبة بالتغيير. وأدرت، سراً، الصفحة الرسمية للبرادعي على فيسبوك. وبدأت الأمور تأخذ منحنى آخر.

وفي العاشر من يونيو/حزيران 2010، كنت أجلس في مكتبي أبكي وأنا أطالع صور جثة شاب يبلغ من العمر 29 عاماً، اسمه «خالد سعيد». إذ تعرّض للضرب حتى الموت على يد ضابطي شرطة. ومجدداً، شعرت بالحاجة إلى اتخاذ إجراء، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الفوضى. يجب محاسبة ضباط الشرطة الذين ارتكبوا تلك الجريمة.

لذا أنشأت، دون الكشف عن هويتي، صفحةً على فيسبوك باسم «كلنا خالد سعيد». وبعد ثلاثة أيام فقط من تأسيسها، انضم إلى الصفحة أكثر من 100 ألف عضو. واستعنت بالناشط السياسي عبدالرحمن منصور للإشراف معي على الصفحة. وكانت وظيفتي السرّية هي مشرفٌ في صفحة «كلنا خالد سعيد». استغرقت مني تلك الوظيفة معظم الليالي والعطلات الأسبوعية. كنت أسعى للحياة في عالمٍ يمكن للمصريين فيه أن يرفعوا رؤوسهم. وإذ فجأةً، يحدث أمر جلل.

وفي الرابع عشر من يناير/كانون الثاني من عام 2011، أُجبر بن علي على الخروج من تونس بعد تزايد حدة الاحتجاجات ضده. لم أرَ في حياتي قط ديكتاتوراً عربياً أُجبر على التنازل عن السلطة. كانت لحظة تاريخية. كتبت على الصفحة، التي وصل عدد متابعيها في ذلك الوقت إلى حوالي نصف مليون متابع: «النهاردة يوم 14 .. يوم 25 يناير هو عيد الشرطة يوم أجازة رسمية.. لو نزلنا 100 ألف واحد في القاهرة محدش هيقف قصادنا .. يا ترى نقدر؟».

استقبل الدعوة (للنزول للشوارع) أكثر من مليون مصري عبر صفحة فيسبوك، وبدأ النشطاء على الأرض تنظيم ما أصبح بعد ذلك «ثورة معلن عنها مسبقاً».

كتبت وصيتي في الأيام التي سبقت مغادرة دبي إلى مصر. قلت لرئيستي في شركة جوجل، يونكا ديرفيسوغلو، إنني ذاهب إلى مصر في إجازة. ولم تشك في شيء.

وأنا في سيارة الأجرة التي تقلني من المنزل إلى المطار، كنت أفكر في ما أخبرتني به زوجتي وهي تودعني: «إنك تضع حياتك في خطر. هذه أنانية شديدة منك».

وفي الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، شهدت شوارع مصر مسيرات لعشرات الآلاف من رجال ونساء مصر الجسورين، يهتفون: «حرية، كرامة، عدالة اجتماعية»، لقد تبدد خوفهم.

وفي ليلة السابع والعشرين، بدأت الذعر. غادرت الفندق وبحثت عن هاتف عمومي واتصلت بصديق أسأله إن كان يمكنني النوم في مكتبه هذه الليلة. في اليوم التالي ستشهد مصر أكبر مظاهرة في تاريخها. مئات الآلاف سيتظاهرون من كل المساجد والكنائس الكبرى في البلاد. كتبت على تويتر: «ادعوا لمصر»، وخرجت إلى الشوارع.

….

سألني صوت هادئ بنبرة تهديد: «ما اسمك أيها الفتى؟». 

أجبت بصوت مرتعش: «اسمي وائل غنيم».

لكمني بقوة.

ولقّنني الضابط: «اسمك 41. ما اسمك أيها الفتى؟». 

أجبت مستسلماً: «اسمي 41».

أصعب ما في السجن كان تناول الطعام واستخدام المرحاض، كنت معصوب العينين ومكبّل اليدين. لم يُسمح لي بتغيير ملابسي أو الاستحمام. ظهر على جسمي أثار طفح جلدي. والماء البارد الذي استخدمته لغسل وجهي جعل الأمور أسوأ. دائماً ما كان هناك حارس؛ أحدهم كنت أعتقد أنه رجل عجوز. في المرة الأولى التي دخل فيها إلى زنزانتي قال إنه سيعاملني مثل ابنه.

كان يضربني كل صباح.

 …

لم أعد أحسب الوقت، أو الركلات، أو اللكمات.

كم من الوقت مضى وأنا مسجون؟

للمرة الأولى في حياتي، لم يكن لديّ أي فكرة.

قال لي محقق غاضب: «هل تريد أن تقنعني أن شخصاً مشبوهاً مثلك نواياه طيبة؟ هل تعتقد أننا حمقى؟ إنك عميل سريّ لدى وكالة المخابرات الأمريكية».

لكنني لست كذلك. لم أكن سوى بشر، انطوائي ومنعزل. رجل ساذج حاول تفكيك الشبكة السياسية في مصر. لم يحركني سوى الأمل بمستقبل أفضل لبلدي ولي ولأبنائي ولكل شخص آخر في بلدنا، بما في ذلك ضباط الاستجواب. كنت أريد فقط إصلاح النظام.

وخارج السجن، كان أخي وأصدقائي يبحثون عنّي في المشارح. ظنت إلكا أني مُت، لكنها قالت للأطفال إنني لم أتصل منذ فترة لأنني مشغول للغاية في رحلة عمل.

طالب المتظاهرون في الميدان بإطلاق سراحي. تحدثت يونكا، رئيستي في العمل، إلى زوجتي يوماً، وبمساعدة زميلي نجيب جرار، الذي قاد جهوداً واسعة بذلتها الشركة، أُفرج عنّي. أذكر أن نجيب، ويونكا، وراشيل، ومارتي وسيرجي، وآخرين، بذلوا أقصى ما في وسعهم لإطلاق سراحي.

وبعد 11 يوماً في السجن، وبعدما واجهت الجحيم الأبدي، أصبحت حُرّاً.

وفي الحادي عشر من فبراير/شباط 2011، أُجبر مبارك على التنحّي. للمرة الأولى، شعرت أن مصر تعود لي وللمصريين. لم نعد غرباء في وطننا. كتبت على صفحة «كلنا خالد سعيد»: «مرحباً بعودتك يا مصر!». بدأ الشباب الصغار في تنظيف الشوارع، وزرع الأشجار، وطلاء الأرصفة. من قال إن هذا العالم خيالي غير موجود؟

لكن الربيع العربي بدأ يتهاوى بالسرعة نفسها التي حل بها. السلطة مفسدة حتى لأصحاب أفضل النوايا، لقد شهدت ذلك، وعشت ذلك، كل يوم. أعمى انتصار 25 يناير بصيرة الجماعات المعارضة. إنهم لا يثقون في بعضهم ويفتقدون إلى ثقافة تقبل الآخر. أحياناً كنت أجد نفسي مفتقراً إلى فكرة تقبّل الآخر أيضاً. وانطوت ممارساتنا على شكل أو آخر مما كنا ننتقد نظام مبارك بسببه.

أصبحت شخصية عامة. تعرضت للهجوم وحملات تشويه كثيرة وجهها إلي أفراد ومجموعات سياسية مختلفة. وثقت بكثيرين انتهى بهم الأمر إلى أذيتي وتجاهلت كثيرين اهتموا بي ولم يريدوا إلا مساعدتي. كرهني العديد من النشطاء بسبب الشهرة التي نلتها؛ وفوق كل ذلك، اتُهمت بالخيانة، وبأنني عميل للاستخبارات الأمريكية، وأنني عضو متخفٍّ بجماعة الإخوان المسلمين، وأنني أسعى للشهرة والظهور في وسائل الإعلام، وسرقة الثورة والاكتساب منها. جاءت الاتهامات من أشخاص حاربت لأجلهم؛ أشخاص ذهبت إلى الجحيم من أجلهم.

وعندما فاز محمد مرسي، مرشح الإخوان المسلمين، بالانتخابات الرئاسية، كنت متفائلاً وقلقاً في آن واحد. كنت آمل أن يكون الحزب الحاكم حكيماً بما يكفي ليكون شاملاً وجامعاً للمصريين. لكن للأسف، كنت ساذجاً. كيف يمكن للجماعة السرية التي شهدتها بنفسي أن تثق بالغرباء؟ حاول الإخوان المسلمون انتزاع السلطة والانفراد بها، مما أدى إلى واحد من أكبر وأعنف الانقسامات السياسية في البلاد. كان السقوط الذي تلا ذلك سريعاً بلا هوادة؛ أعلن الجيش انقلاباً وأُلقي القبض على مرسي. ودخلت مصر مجدداً في حالة من الفوضى.

اضطررت إلى مغادرة دبي إلى الولايات المتحدة خوفاً على سلامتي وسلامة عائلتي، فلم أكن أريد أن يتعرض أي منا لأي أذى، خاصةً بعد ما كل مرّوا به خلال الفترة الماضية.

وفي الولايات المتحدة، حاولت أن أعزل نفسي عن كل شيء، وأن أركز على عائلتي ومسيرتي المهنية. ورغم أنني كنت مهزوماً ويائساً، بدت مهمة الانعزال تلك مستحيلة.

في عام 2015، شاركت صديقين مصريين عزيزين تأسيس منصة Parlio. كانت Parlio شركة تهدف إلى الارتقاء بالنقاشات العامة التي تجري عبر الإنترنت. وكنت أبذل جهدي من خلالها في محاولة لحل ما اعتبرته بعضاً من مشكلاتنا الأساسية: الافتقار إلى التعاطف مع الآخرين، وانعدام الثقة فيهم، وسوء الفهم.

لكن حالة التدهور الحادة استمرت في مصر. وتوقفت عن متابعة الأخبار ووسائل الإعلام المصرية. ثم انضممت والمؤسس المشارك معي إلى Quora في مارس/آذار في عام 2016، بعد أن كانت Parlio قد وصلت إلى حالة من الركود التام.

وسقطت في حالةٍ من الاكتئاب لم تكن تشبه أي حالة قد مررت بها من قبل.

ثم أعلن جسدي انهياره الرسمي التام عندما وجدت نفسي أبكي أمام الناس في غرفة اجتماعات في مكتب Quora. وفي أغسطس/آب 2017، قرّرت الاستقالة.

فالكرامة هي القيمة التي أردت دائماً أن يعرفني الناس بها. لذا، أعترف أنني بدأت في العودة إلى الحياة في مرحلة ما في بوسطن خلال هذا الخريف.

كنت غير مستعدٍ في البداية للالتحاق بزمالة تستمر لثلاثة شهور في جامعة هارفارد، لكن بفضل صديقي العزيز طارق مسعود، انتهي بي الأمر في النهاية بقبول العرض. فقد كنت في أمس الحاجة إلى أي تغيير. تركت عائلتي في كاليفورنيا وأمضيت الخريف في بوسطن. أود أن أقول إنني كنت وحدي، لكن الحقيقة أنني كنت محاطاً في بوسطن بأفكار لا نهائية وحاضرة معي طوال الوقت، حول العالم والسياسة ودور التكنولوجيا. كانت صور أطفالي هي التي بدأت في إخراجي من الحالة التي كنت فيها.

وخلال حالة الاكتئاب التي كنت أعانيها، أعدت اكتشاف نفسي. ولذلك فأنا في النهاية ممتن إلى الأبد للانهيار الذي أصابني. فقد شجعتني حالة العزلة التامة التي عشتها مع الأفكار في ذهني إلى التعرف على نفسي والتأمل في ماضيّ ودفعتني دفعاً نحو التغيير.

وكان أكبر درس تعلمته خلال فترة اكتئابي هو إدراك أن المرء لا يمكنه الاعتماد فقط على قوته الداخلية. وأن الحياة تصبح أكثر جمالاً عندما ندع الآخرين يحبوننا ويظهرون لنا اهتمامهم. فالغرباء مثلي تعوّدوا أن يعيشوا مستقلين عن الآخرين. لقد مررت بخيبات أمل كبيرة في الناس طوال حياتي مما يجعلني أفكر ألف مرة قبل أن أطلب أي شيء من أي شخص. وكنت عندما أكون موجوداً بين الناس، أخفي اكتئابي وراء قناع الشخصية المرحة. كنت مثل المهرج البائس الذي يمسح مكياج الابتسامة المزيفة عن وجهه بمجرد أن يعود إلى بيته.

كانت الروابط البشرية النقية لمحة الضوء التي احتجت إليها لبدء عملية النقاهة. أنا لدي الآن علاقات صداقة مع أناس رائعين، أناس أتمنى أن أظل قريباً منهم مدى الحياة. دعاني أحد أصدقائي، رامي، لقضاء بعض الوقت معه في أمستردام لمدة أسبوع. ومن خلال لطفه معي ورعايته لي، تمكنت أخيراً من إدراك ما كنت أفعله في نفسي.

وربما يبدو من المحزن أنه بعد قضاء فترة طويلة في محاولة بناء دولة، بدأت للتو وأنا في السابعة والثلاثين من عمري إدراك القوة التي يمنحك إياها وجود مجتمع حولي. لكنني قررت أني سوف أعوض عن كل السنوات التي فقدتها. ولكل أولئك الرفقاء الذين مثلوا الوطن بالنسبة إلي، أنا ممتن للأبد عن كل الحب والاهتمام والصداقة. فبسببكم، تعلمت أيضاً أن أقدر القوة التي يمنحها التعاطف مع الآخرين.

من السهل للغاية أن تحكم على الأشخاص وأن توجه إليهم أصابع الاتهام، لكن المفيد الأكثر بكثير هو السعي ومحاولة الاستفادة من تجاربهم وكفاحهم. لقد توقفت عن الاعتقاد بأن هناك أشخاصاً «طيبين» و»أشراراً». فالبشر كائنات معقدة: داخل كل واحد فينا الخير والشر. يمكن للأنظمة المصممة جيداً أن تخرج منا أفضل نسخة من أنفسنا، بذات الفعالية التي يمكن بها للأنظمة المصممة على نحوٍ سيئ أن تنحط بنا إلى أدنى شخصياتنا. ففي غياب المحاسبة، سيتحول بعض أفضل الناشطين السياسيين إلى أسوأ أنواع ضباط أمن الدولة إذا لم ينقذوا أنفسهم بأنفسهم.

تعلمت أن الغرور هو أحد أسوأ أشكال عدم الشعور بالأمان. فهو يعبر عن افتقار المرء إلى تقدير الذات. تعلمت أيضاً أن هناك طريقتين لمواجهة الغرور، سواء في نفسي أم في الآخرين. وهما إما أن تكون متواضعاً، وإما أن يُفرض التواضع عليك. وقد تواضعت من خلال الإخفاقات التي واجهتها خلال السنوات القليلة الماضية، ومن خلال رؤية كيف تصعد وتسقط صورتي العامة.

لقد نشأت وأنا أتعلم دفن خجلي ومخاوفي الداخلية وعدم التصريح بها. لكنني أدركت مؤخراً أن كشف مواطن الضعف يمكن أن يعبر عن قوة الشخص. فأنا على خطأ إذا بذلت جهدي مرة أخرى في محاولة الحصول على الرضا من الآخرين الذين لن يمنعهم شيء من الحكم عليّ وانتقاد نقاط ضعفي.

لقد تعلمت أنني لا أريد أن أعيش حياة أكون مجبوراً خلالها على أن أطأطئ رأسي. لا أريد أن أعيش حياةً مملةً محكومة بالخوف. وفي ما تبقى لي من وقت على هذه الأرض، أريد أن أستمر في عيش حياة أدافع فيها عن قيمي وأقاتل من أجلها.

عندما سافرت إلى بوسطن، كنت في حالة من الحزن والدمار. كان لدي أسئلة كثيرة دون إجابات. كنت ببساطة مكتئباً. لكني اليوم، أختار عدم الاستسلام. وأنا لا أتخلى عن مصر، لأن الحقيقة أنه كان من السذاجة الاعتقاد بأن 30 سنة من الديكتاتورية ستسقط في غضون أيام قليلة، ومن السذاجة القدر نفسه، الاعتقاد بأن واحداً من أكبر الأحداث في تاريخ مصر الحديث قد فشل بعد مجرد مرور بضع سنوات قليلة عليه. ومن ثم، فأنا لن أتخلى عن عالم تكون فيه قوة الناس العاديين أكبر من قوة الناس الذين لديهم السلطة.

وأطمح إلى أن أظل دائماً أحاول أن أكون قوة إيجابية في العالم، وأن أكون حاضراً لتقديم المساعدة لمن هم في أمس الحاجة إليها، وأن أواصل مقاومة اليأس من إصلاح المنظومة.

ملاحظة: رجال الشرطة ليسوا أوغاداً، والنشطاء ليسوا قديسين. نحن كلنا بشر.

رسالة عيد ميلاد أرسلها لي واحد من أعز أصدقائي:

أتمنى أن تظل حراً من أي أرض تعوقك عن إصلاح الأنظمة، لكنني أتمنى أيضاً أن يكون لديك جذور تشعرك أنك في وطنك.

أتمنى أن تكون لديك القوة الداخلية لفعل الخير، لكنني أتمنى لك أيضاً أن تسلم نفسك من وقت لآخر إلى القوة الخارجة عنك.

أتمنى أن تمنحك ثقتك في نفسك القوة دائماً، لكنني أتمنى أيضاً أن يكون لديك قدر كافٍ من التواضع يسمح للحب بالنفاذ إليك.

أتمنى أن يكون لديك الحكمة لتدرك دائماً أنك لم تبلغ الحقيقة.

أتمنى لك شيئاً نقياً ومثالياً وحقيقياً وعميقاً وروحياً، وخارقاً في الوقت ذاته.

أتمنى لك ألا تتوقف أبداً عن السعي.

الاخبار ،وظائف ،عملات وسلع ،الفن ،جرائم بلاد برة، منوعات ،المرأة اسلاميات ،الحوادث ،تكنولوجيا، ثقافة ،صحة ،الرياضة ،أسواق المال

قد تقرأ أيضا