الارشيف / اسلاميات / الفجر

هل يجوز تقبيل المتوفي بعد تكفينه؟

استشهد الدكتور شوقي إبراهيم علام بحديث لعائشة رضي الله عنها حيث قالت: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ" أخرجه عبد الرزاق في "المُصنَّف"، وأبو داود الطيالسي وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد في "مسانيدهم"، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في "سننهم".

وجاء هذا بالرد على سؤال وارد بموقع دار الإفتاء الإلكتروني مفاداه "ما حكم كشف وجه الميت لتقبيله وتوديعه، وهل يصح ذلك بعد التكفين؟".

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَبْكِي، وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَا يَنْهَانِي، قَالَ: وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو تَبْكِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «تَبْكِيهِ أَوْ لَا تَبْكِيهِ، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ» متفقٌ عليه.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: "بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَا يَجْمَعُ اللهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا" أخرجه الإمام البخاري في "الصحيح"، وبوّب عليه بقوله: (باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أُدرج في أكفانه).

وعن عاصم بن أبي النُجود الكوفي، قال: "لما مات أبو وائلٍ قبَّل أبو بردة جبهتَه" أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف".

قال العلَّامة ابن بطَّال المالكي في "شرح صحيح البخاري" (3/ 240، ط. مكتبة الرشد) عن حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه: [قال الُمهَلِّبُ: فيه جواز كشف الثوب عن الميت إذا لم يَبْدُ منه أذًى، وفيه جواز تقبيل الميت عند وداعه] اهـ.

وقال الإمام بدر الدين العيني في "شرح سنن أبي داود" (6/ 94، ط. مكتبة الرشد): [وفيه من الفقه: جواز تقبيل الميت] اهـ.

وقال العلَّامة ابن المُلقِّن في "التوضيح" (9/ 402، ط. دار الفلاح): [وفيه: جواز كشف الثوب عن الميت إذا لم يبدُ منه أذًى، وجواز تقبيل الميت عند وداعه، والتأسِّي؛ فإنَّ الصديق رضي الله عنه تأسَّى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قبَّل عثمان بن مظعون رضي الله عنه، كما صححه الترمذي] اهـ.

وقال العلَّامة الشوكاني في "نيل الأوطار" (4/ 32، ط. دار الحديث): [فيه: جواز تقبيل الميت تعظيمًا وتبركًا؛ لأنه لم يُنقل أنه أنكر أحدٌ من الصحابة على أبي بكرٍ رضي الله عنه؛ فكانَ إجماعًا] اهـ.

والفقهاء متفقون على جواز الدخول على الميت وتقبيله وتوديعه ممن يحق لهم ذلك حال حياته؛ لِمَا فيه من التبرك -إن كان صالحًا- والمحبة والشفقة والرحمة ولين القلب، ما لم يكن لشهوة، وجمهورهم على أن ذلك يستوي فيه الجواز إذا كان قبل الغسل أو بعده، وسواء كان قبل التكفين أم بعده؛ قال الإمام بدر الدين العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" (6/ 244، ط. دار الكتب العلمية): [فإن قيل: إنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم قبَّل عثمان بن مظعون رضي الله عنه بعد ما أدرج في الكفن، وقبَّل أبو بكر رضي الله عنه بين عيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم بعد ما أدرج في الكفن. قلنا: هذا ضرب الشفقة أو التعظيم، والموت لا ينافيه] اهـ.

وقال الإمام الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (3/ 157، ط. الأميرية): [وتقبيله صلى الله عليه وآله وسلم عثمانَ بن مظعون رضي الله عنه بعدما أدرج في الكفن محمولٌ على ضربٍ من الشفقة والتعظيم] اهـ.

وقال العلَّامة الشرنبلالي الحنفي في "مراقي الفلاح" (ص: 215، ط. المكتبة العصرية): [ولا بأس بتقبيل الميت للمحبة والتبرك توديعًا خالصة عن محظور] اهـ.

وقال الإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي في "النوادر والزيادات" (1/ 566، ط. دار الغرب الإسلامي) [قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا بَأْسَ بتقبيل الميت قبل غسله وبعد غسله؛ قد قَبَّل النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن مظعون رضي الله عنه ميتًا، وقَبَّل أبو بكرٍ رضي الله عنه النبيَ صلى الله عليه وآله وسلم ميتًا] اهـ.

وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" (3/ 1053، ط. دار الجيل): [فلما غُسِّلَ وكُفِّنَ قبَّلَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلَّم بين عينيه، فلما دفن قَالَ: نعم السلف هُوَ لنا عُثْمَان بْن مظعونٍ] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (4/ 637، ط. دار الفكر): [وأما تقبيلُ الرجل الميتَ والقادمَ من سفره ونحوه: فسُنَّة] اهـ.

وقال في موضع آخر (5/ 127): [(فرع): يجوز لأهل الميت وأصدقائه تقبيل وجهه؛ ثبتت فيه الأحاديث] اهـ.

وقال العلامة شمس الدين الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج" (3/ 19، ط. دار الفكر): [ويجوز لأهل الميت ونحوهم كأصدقائه تقبيل وجهه؛ لخبر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قبَّل وجه عثمان بن مظعون رضي الله عنه بعد موته، ولِمَا في البخاري: أن أبا بكر رضي الله عنه قبَّل وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته، وينبغي ندبُه لأهله ونحوهم كما قال السبكي، وجوازُه لغيرهم، ولا يقتصر جوازه عليهم، وفي زوائد "الروضة" في أوائل النكاح: ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح، فقيَّده بالصالح، وأما غيره فينبغي أن يكره] اهـ.

وقال العلَّامة الجاوي الشافعي في "نهاية الزين" (ص: 151، ط. دار الفكر): [ويجوز لأهل الميت تقبيله ما لم يحملهم التقبيل على جزعٍ كما هو الغالب من حال النساء وإلا حرم، ويجوز ذلك أيضًا لغير أهله، لكن لا بد من اتحاد الجنس وانتفاء المرودة عند عدم المحرمية] اهـ.

وقال العلَّامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (2/ 468، ط. دار إحياء التراث العربي): [ولا بأس بتقبيل الميت والنظر إليه ولو بعد تكفينه، نصَّ عليه] اهـ.

وقال العلَّامة البهوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 344، ط. عالم الكتب): [(ولا بأس بتقبيله) أي: الميت (والنظر إليه) ممن يباح له ذلك في الحياة (ولو بعد تكفينه) نصًّا؛ لحديث عائشة رضي الله عنها] اهـ.

غير أنَّ بعض الفقهاء جعل الدخول على الميت وتقبيله إنَّما يكون بعد إدراجه في أكفانه أو ما في معناه من تغطيته، لئلَّا يُطَّلَع من الميت على ما يُكرَه الاطلاعُ عليه، إذ قد يتغير وجه الميت أو جسده بالسواد ونحوه عند الموت، لداءٍ أو لغلبة دمٍ؛ فينكر ذلك من يجهل حاله فيظن فيه سوءً، فيصبح ضرر ذلك أكبر من تطبيق سنة تقبيله.

وأجابوا عن تقبيل الصديق رضي الله عنه للحبيب صلى الله عليه وآله وسلم: بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم كان مُسجّى وقتما دخل عليه أبو بكر رضي الله

تابع الخبر في المصدر ..