الارشيف / الاخبار / أخبار مصر / المصرى اليوم

المشهد الفكري العربي.. سُؤالُ الرّاهن ضجة الاخباري

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لا شَكَ أنَّنا نَعيشُ لَحظةً عَربيةً مَصيريةً راهِنَةً ذَاتَ مَلمَحٍ وُجوديٍّ خاص؛ تكثرُ فيها الأسئلةُ عَن الذَاتِ والوُجودِ والمصير: إلى أين ستَمضي بِنا اللحظةُ الراهِنَة؟ بعدَ زَلازلَ سِياسيةٍ واجتماعية اجتاحت المِنطَقَة العربية؛ وغيَّرَت العلاقَةَ التَعاقُديَّةَ بينَ الحَاكِمِ والمَحكُوم، وشملتها بشروطٍ جديدةٍ وفقَ رؤيةٍ اجتِماعيَّةٍ واقتِصاديَّةٍ وسِياسيَّةٍ مُتطلِّعةٍ في العَديدِ مِن المُجتَمعاتِ العَربيَّةِ، وألقَت بظِلالِهَا عَلى مَشهديَّةِ العَملِ السِياسيِّ والحِراكِ الثَقافيِّ ومَشارِيعِ الاقتِصادِ وخُطَطِ التَعليمِ وإعادة موضعة الطبقات الاجتماعية وتحريكها.

وفي الآنِ ذاتِه فإننا نلمسُ صعودَ الطائفيةِ وتَواري العَقلانيةِ والتَنويرِ وغلبةَ التَعصُّبِ وتراجُعِ صوتِ الوسطية والاعتدال أو الدَعوة إلى تغليب العقل والحكمة وتحكيم المنطق في بعض دولنا العربية، كلُ هَذا القلق هو المُهيمنُ عَلى المشهدِ العَربيِّ، وقد ألقَى ذَلِكَ الخَوفُ على الوجودِ والمصير بظلالِهِ على خلفيةِ كُلِ تَناولٍ ثَقافيٍّ، وكلِ مُمارسةٍ إبداعيةٍ، خاصَةً في فُنونِ الأدبِ المُختلفة وأشكالِه المتعددة بين الشعر والرواية والسرد الذاتي والقصة القصيرة باعتبار أن الأدب مرآةٌ اجتماعيةٌ تعكسُ واقع الشعوب وحياة الأفراد، وتطلعاتهم وأحلامهم.. وإخفاقاتهم أيضاً.

أتصوَّرُ أنَّ كُلَ هَذا الواقع بتَفاصيلِهِ المُربِكة يجِبُ أن يُفضِي بِنَا إلى العَودةِ إلى ثَقافَةِ التَنويرِ والفِكرِ الطليعيِّ واللُجوءِ إلى الفَلسَفَةِ والتَفكيرِ الإبداعيِّ الخَلّاق لبَحثِ لحظَتِنَا الراهنة، وتحَليلِ أبعادِها، والكشف عن مَسارَاتِ التأزُّمِ والمُشكِلات، فلا يُمكِنُ أن نجترحَ مساراتٍ لحل مشكلاتنا الحضارية في واقِعِهَا المُرتَبك ومساراتها المتشابكة بلا تمعنٍ في البنى الثَقافيةِ والاجتماعية والفنية التي قامت عليها مجتمعاتنا، في شبكةٍ تبادليةٍ تحكم أشكال التواصل المجتمعي في علاقاتها المختلفة، وقد نصل أثناء هذا التمعن إلى قناعة أن إهمالنا التعليم الحقيقي والفاعل المعتمد على التفكير، له دورٌ كبيرٌ في ترسيخ وتعميق مشكلاتنا الحالية، وأنَّ النظر إلى البُنى الفوقية السامية (الفنون والآداب والفلسفة وعلوم الاجتماع) باعتبارها ترفاً يُنظر إليه في مرتبةٍ متأخرةٍ من أولويات مجتمعاتنا، ساهمَ بدورهِ في تراجُعِ القيمِ الاجتماعيةِ وتفشي أزماتنا الأخلاقية المتجلية في علاقة الفرد بالآخر في مجتمعاتنا، في تقبَّلهِ له، وفي إدراك طبيعة الاختلاف واحترامه، وفي عدم إلغاء الآخر أو مصادرة رأيه، عوضاً عن التعامل وفق قيم الأمانة والنزاهة والشرف والسويةِ الإنسانية، كل هذه القيم الغائبة، تتمثلُ جُذورُ اختفائِهَا في إهمال التعليم، ونقص إكساب الوعي، وإلغاء دور الثقافة الحقيقية المعايشة لمشكلات الناس، وانتشار الفن الهابط والتشجيع على إنتاجه، وإلغاء مادة «الأخلاق» من المناهج التعليمية، وهي مادةٌ ذات أهميةٍ عظيمةٍ في تأسيس الإنسان وبنائهِ وصقل قيمِهِ وإعادة خلق رؤيته للآخر، بل وإعادة بناء المجتمع ككل بناءً سليماً ينهضُ على الخير والحق والجمال. وفي هذا السياق يجب أن يقوم المثقفون بدورهم الذي يفترض أن يقوموا بهِ في تعميق العمل التنويري ونشر المعرفةِ والفنون والالتحام بالناس وفهم مشكلاتهم، وأن يتجلى صداها في أعمالهم لكي تلامس أعماق الناس لا أن تظل أعمالاً في أبراجها العاجية تنظر إلى هموم الناس من علٍ.

أن المبدعينَ والمُثقَّفينَ هُم قاطرةُ الأمةِ باتجاهِ المُستَقبَل، باعتبارِ أنَّ المثقفَ لديهِ من الرؤية والمعرفة ما يُكسبهُ قُوةَ تغيير الواقع في حال توافرت الإرادة، وعليهم أن يُسخِّرُوا مواهبهم وقدراتهم المعرفية لخدمة الناس والارتقاء بهم وتحليل قضاياهم في أعمالهم الأدبية والفكرية وفي إنتاجها التطبيقي أيضاً من مسرحٍ وأوبرا وموسيقى وسينما وصحافةٍ وتعليم.

أتصور أن مفتاحاً كبيراً لحل مشكلاتنا الحضارية العربيةِ الحالية في تعقيداتها المختلفةِ يكمن في مقولةِ المفكر الكبير محمد عابد الجابري: «إن العقل العربي بحاجةٍ اليوم إلى إعادة الابتكار»، والابتكارُ هو الجدة، واجتراحُ غيرِ المألوف، تماماً كقضايا الراهن العربيّ التي لم نتصور أن نصل لها يوماً بهذا التشعب والتعقد والتداخل في عالمٍ تزداد تشابُكاتِهِ يوماً بعد الآخر لصالحِ تغليبِ المادةِ ومحاصرةِ القيمِ وتشييئِ الإنسان.

الاخبار ،وظائف ،عملات وسلع ،الفن ،جرائم بلاد برة، منوعات ،المرأة اسلاميات ،الحوادث ،تكنولوجيا، ثقافة ،صحة ،الرياضة ،أسواق المال

قد تقرأ أيضا