الارشيف / الاخبار / أخبار مصر / المصرى اليوم

إن غاب القائد السياسى الكبير ضجة الاخباري

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أى شخص يموت يترك فراغًا، لأنه لن يعود مرة أخرى. ومهما بلغ الأثر الذى خلّفه، والعلامة التى خطها على صفحة الزمان والمكان، وذكراه المستقرة فى أذهان من عرفوه وألفوه، أو نفروا منه، فإنها لا تُغنى عن وجوده. فحياة كل فرد واحدة فريدة لن تتكرر، ودوره لن يؤديه غيره على مسرح الدنيا.

ويضيق هذا الفراغ ويتسع بقدر قيمة الإضافة التى زود هذا الفرد الحياة بها، سواء كان علمًا ينفع به، أو فنًّا يخطف الوجدان قد أبدعه، أو حركةً فى المجتمع ساهمت فى التقدم، ولو قليلًا، إلى الأمام، أو تلاميذ يحملون أثره، ويعملون على أن يظل موجودًا إلى زمن مديد، أو حتى إلى حين. والشخصيات السياسية ليست استثناءً من هذا، بل إن مواقعها المتقدمة التى مكنتها من إدارة أحوال الناس واتخاذ قرارات وتدبير بإجراءات والقيام بأعمال تجعل الفراغ الذى تتركه أكبر، من دون شك، وهو يزداد إن كانوا قادة كبارا من المؤسسين والبنائين، الذين شُيِّدت على أكتافهم، وبفضل عقولهم المتوقدة، وبصائرهم النيرة، مؤسسات وكيانات كبرى أو دول، وساهموا فى دفع حضارات قدمًا. فالقائد الكبير أشبه بشمس ساطعة، يُغيِّب نورها المبهر أى أجرام حولها، فإن أفلت، ظهر فراغ مظلم، قد تظل الأمم سنوات طويلة حتى يكون بوسعها أن تبدده بقيادة كبرى أخرى تملأ الفراغ الأول، الذى قد يملأ آخرون جزءًا منه، لكن ليس بمقدورهم أن يسدوه تماما.

ورغم أن علمى السياسة والاجتماع يبشران دومًا بالمؤسسة، باعتبارها هى القائد، أو هكذا يجب أن تكون، فإن دور الفرد فى صناعة التاريخ لا يزال قائما، ولن تعدم الأمم والدول من أولئك الذين لا يزالون يعولون على القائد الفرد، الذى يمتلك قدرات روحية ونفسية وعقلية وجسمية خاصة تجذب إليها الأتباع، وتجعل كثيرين يعلقون فى رقبتها آمالا عريضة.

إن السمات التى تتمتع بها القيادة المُلَهمة (الكاريزمية) تجعل، حتى وهى على قيد الحياة، الأغلبية الساحقة تتحدث عن الفراغ السياسى الكبير الذى ستتركه حين ترحل. ويظل هذا الفراغ مؤجلًا إلى أن تولد بالفعل لحظة الرحيل الأبدى التى لا بد أنها آتية، مهما طال الأجل وانفسح الأمل. فالقدرة الفائقة لهذا النوع من القيادات تؤهلها دوما لشغل حيز كبير من الوجود السياسى، المادى والمعنوى، يتلاشى أو يتضاءل بغيابها المفاجئ أو المتدرج والمتتابع. ويحاول من يأتون بعد هذا القائد أن يملأوا هذا الحيز، إما بالسير على الدرب نفسه، أو بشق درب آخر جديد، قد يجعل بعضهم يدخلون فى تحدٍّ لأنفسهم كى يثبتوا للناس أن الحيز لا يزال ممتلئًا، وبعضهم يدخل فى منافسة، ظاهرة أو باطنة، ضد القيادة التى غابت، وقد يسقطون فى محاولات التقليل من الغائب بتشويهه، أو النزول بصورته إلى الحد الذى يتطابق مع صورة القائد الجديد، ويجعل الناس، عبثًا، يغضّون الطرف عن الفوارق الكبيرة بينهما.

جرى هذا فى التاريخ كثيرا، وفى سائر الأمم التى لم تخل من أبطال هام بهم الناس تعلقًا وارتباطًا، ولم يستطع الذين خلفوهم أن يجعلوا النسيان يلف هؤلاء الأبطال، إن كان الجدد يقصدون بالفعل طمس ذاكرة الشعوب أو دفعها إلى التماس أى سمات للعظمة فى قادتهم الذين حلوا محل الغائب الكبير، لكن الناس لا تكل ولا تمل من ترديد عبارة «إن الرجل الراحل قد ترك فراغًا كبيرًا لا يشغله غيره».

وقد أدرك بعض المؤرخين هذا، فالتفتوا إلى الكتابة عن الشخصيات السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والعلمية المفرطة فى التأثير، فسجلوها تباعًا، وصار الزمن الفاصل بين قائد أو معلم كبير وآخر أشبه لدى كل مؤرخ منهم بفراغ، قد لا يعنيه ردمه، أو يهيل عليه بعض الكلمات التى تأتى على ذكر الصغار والعابرين سريعا، وكأنهم مجرد قنطرة واصلة بين قائدين كبيرين.

هناك استثناءات قليلة فى حياة الشعوب، تقوم حين يعمل ويعمد القائد الكبير إلى إعداد أو تربية من يخلفه، فيصنعه على عينه، ويعلمه كيف يكمل مسيرته بتفانٍ واقتدار، ويؤدى هذا بالطبع إلى شَغل الفراغ السياسى سريعًا فى عملية يقر بها الناس ويطمئنون إليها، لا سيما إن استطاع الخلف أن يكون على مستوى السلف، وهو أمر لا يتم إلا إذا اهتدى القائد الجديد إلى المسار الذى يُراكم

قراءة المزيد ...

قد تقرأ أيضا