الارشيف / الاخبار / أخبار مصر / المصرى اليوم

«معالي الوزير» كانت تزعجني.. جودة عبدالخالق يخص «المصري اليوم» بفصلين من كتابه «مع الغلابة» ضجة الاخباري

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ليس من المعتاد أن يكتب الوزراء تجاربهم الوزارية، وإذا فعل بعضهم، فإنهم يتحدثون عن القضايا العامة التى تخص وزاراتهم أو تلك التى شاركوا فيها، بحكم كونهم أعضاء فى الحكومة، متجاهلين الحديث عن طبيعة مطبخ القرار ودورة العمل فى كيانات الوزارة التى عملوا فيها، وما إذا كانوا غيروا فى ذلك أو أضافوا أم تركوا الوضع كما هو عليه.

ونظرا لكل ذلك فإن كتاب الدكتور جودة عبدالخالق، أستاذ الاقتصاد والقيادى بحزب التجمع، وزير التضامن والعدالة الاجتماعية الأسبق، الذى يحمل عنوان «مع الغلابة - تجربتى فى الوزارة» هو كتاب مختلف، ليس لأن الوزير كان قد عاش معارضًا طوال عمره أيام ناصر والسادات ومبارك، وليس لأنه مهموم بحق بالعدالة الاجتماعية. وليس لأنه صاحب تجربة إنسانية عجيبة، حيث عاش الضنا والشقاء بكل ألوانهما خلال طفولته وصباه وإلى أن تخرج فى كلية الاقتصاد.. لكن الكتاب مختلف لأن هذه هى المرة الأولى- تقريبا - التى يكتب فيها وزير عن وزارته من الداخل، وكيف قاد عملية التغيير الهيكلى والوظيفى فى كل توابعها من حدائق الوزارة إلى إدارة الإعلام ومكتب الوزير ولجنة المساعدات الخارجية، وبنك ناصر، والأهم من ذلك إدارة الملفات الاستراتيجية للوزارة، وعلى رأسها مهام هيئة السلع التموينية، والقمح والسلع الأساسية، وطريقة اتخاذ القرار، خاصة فى كل موقف عصيب، وما كان أكثر تلك المواقف حينها.

وكما هو متوقع فإن الكتاب حافل بمعارك كبرى ومواقف دراماتيكية للوزير «اليسارى» مع سفراء الدول الكبرى الموردة للقمح، ومستوردى القمح فى عهد مبارك، ومع التجار وناهبى أقوات الناس، ومرسى والإخوان والسلفيين الذين أرادوا احتكار توزيع البوتاجاز والدقيق والخبز لتحقيق أرباح شخصية لهم، وكلها تنطوى على دروس قيمة، ففى الكتاب نكتشف كذلك رغبة عميقة فى الإنصاف، ولو جاء ذلك على غير رضا زملاء الوزير فى حزب التجمع، كما نلمس حرارة وعمق الشعور بالمسؤولية وحمل الأمانة بأمانة.

جودة خص «المصرى اليوم» بنشر فصلين من كتابه الذى سيظهر قريبا، وبطبيعة الحال وجهات نظر الكاتب هى ملكه ومسؤوليته، ومن حق القراء الاتفاق والاختلاف معها، لكن الأكيد أن خبرات الدكتور جودة المتراكمة تستحق كل احتفاء بها.. وإلى الحلقة الأولى:

فى خضم الأحداث فى ميدان التحرير وعدد من الميادين، استقالت حكومة الدكتور أحمد نظيف وهرب عدد من أعضائها إلى الخارج خشية المساءلة والملاحقة... واختفى عدد آخر. وتم تكليف الفريق أحمد شفيق بتشكيل الحكومة خلفا لحكومة أحمد نظيف. لكن تلك الحكومة سقطت بتنحى مبارك عن السلطة. وبدأ الفريق أحمد شفيق مشاورات تشكيل حكومة أخرى تكون أكثر قبولا لدى القوى الثورية. وهذه هى الحكومة التى طلب منى المشاركة فيها، وكان الأمر مفاجأة تامة لى!!! أتذكر جيدا ملابسات دخولى السلطة بعد تنحى مبارك، عضوا فى التعديل الوزارى لحكومة شفيق.

كانت الساعة تقترب من الثامنة والنصف مساء عندما دق جرس الهاتف فى منزلى. كان صوت المتحدث معروفًا لى وهو المرحوم الدكتور يحيى الجمل المحامى المعروف، ونائب رئيس حزب التجمع سابقا، وبعد التحية، أخبرنى بأنه بمناسبة تنحى مبارك فى 11 فبراير 2011 كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد كلف الفريق أحمد شفيق بتشكيل حكومة جديدة (هى الثانية بالنسبة له بعد استقالة حكومته الأولى) تحظى بقبول من الشارع، وأضاف أن الفريق شفيق متردد فى الاتصال بك للانضمام إلى الوزارة، خشية أن ترفض، فإن كنت موافقا، فسيقوم هو بالاتصال بك. فأجبته أننى على استعداد لمناقشة الأمر معه. وما هى إلا دقائق حتى جاءنى صوت الفريق أحمد شفيق على الهاتف، بعد السلام والتحية بادرنى الفريق شفيق قائلا: «نقوم بمشاورات لتشكيل حكومة جديدة ويسعدنا أن تشترك معنا». قلت: «لا أتردد فى قبول أى منصب يحقق خدمة مصالح مصر». فأجاب بأن الحقيبة الوزارية هى وزارة التضامن الاجتماعى. وطلبت منه أن يعطينى مهلة للتفكير فى الأمر، فقال: «سأهاتفك فى الثامنة والنصف صباحا».

كانت الساعة تقترب من العاشرة مساء وبالتالى فلدى أقل من 12 ساعة للتفكير فى الأمر قبل أن يعاود الفريق شفيق الاتصال بى فى صباح اليوم التالى. عندما أخبرت شريكة حياتى ورفيقة دربى الدكتورة كريمة كُرَيِّم بأمر المكالمات الهاتفية، تبادلنا النظر كل إلى الآخر وقلنا فى صوت واحد: «التأخر عن خدمة الوطن فى هذه الظروف خيانة». وأمضينا نناقش الأمر من كل جوانبه.. نحن لم نسع إلى أى منصب فى الماضى وعشنا حياتنا للوطن، ولكن بعيدا عن السلطة. بل كان موقفنا هو المعارضة، سواء فترة السادات أو مبارك. ونحن أيضا نقدس حياتنا الخاصة، بعيدا عن ضغوط المناصب العامة. نسافر كثيرا داخل وخارج البلاد. لدينا علاقات اجتماعية كثيرة فى إطار الأسرة والأصدقاء ونعطى أولوية للإنجازات العلمية... إلخ. لكننا قدرنا أننا أمام لحظة فارقة فى تاريخ بلادنا، توجب قبول المنصب الوزارى رغم ما ينطوى عليه ذلك من ضغوط وأعباء تفرضها المرحلة التى تعيشها مصر.

كان تقديرنا أننا عشنا طوال عمرنا نتحدث عن العدالة الاجتماعية ولا نحيا إلا للفقراء، ولا يمكن أن يكون موقفنا الآن هو إغلاء مصلحتنا الخاصة على المصلحة العامة. فلو فعلنا لكان ذلك خيانة للوطن! لم نذق طعم النوم طيلة تلك الليلة. وفى النهاية اتفقنا على ضرورة قبول المنصب الوزارى المعروض علىّ، خصوصا أن الفترة الانتقالية كما كان متوقعا وقتها هى 6 أشهر فقط. ارتحنا جدا لقرار القبول، وانتظرت محادثة الفريق شفيق فى الصباح.

وفى حوالى الساعة الثامنة والنصف صباحا، دق جرس الهاتف. وكان المتحدث هو الفريق أحمد شفيق. بعد السلام سألنى عن رأيى فى عرض دخولى الوزارة فقلت إنه يسعدنى من حيث المبدأ الانضمام إلى الحكومة إذا امكن التفاهم حول أمور معينة، رحب الرجل بالقرار وأبدى استعداده لمناقشة «الأمور المعينة». قلت للفريق شفيق إن لى أربعة مطالب بسيطة.

أولا: أحب تغيير اسم الوزارة بما يعكس شعارات ثورة يناير، بحيث يكون وزارة التضامن والعدالة الاجتماعية بدلا من وزارة التضامن الاجتماعى. وأوضحت أن الاسم الذى اقترحته يعطى إشارة واضحة للناس أن سياسات الدولة تسير فى الاتجاه الصحيح، وأن شعار «خبز.. حرية.. عدالة اجتماعية» سيكون هو الحاكم لمجريات الأمور على صعيد الدعم والتضامن الاجتماعى.

ثانيا: بما أننى أحب العمل أكثر من المظهر، فأنا أفضل حضور اجتماعات مجلس الوزراء بدون رابطة عنق (كرافتة).

ثالثا: لا أريد وضع كشك حراسة أمام منزلى. فأنا وزوجتى نسكن فى عمارة لها ثلاثة مداخل وبها عدد كبير من السكان، ولا أريد إزعاج أحد من جيرانى.

رابعا: أريد أن أذهب مكتبى إلى الوزارة باستخدام المترو، كما أفعل حاليا للذهاب إلى مكتبى بجامعة القاهرة. فركوب المترو يتيح لى فرصة التواصل مع الناس مباشرة ومعرفة الأمور التى تشغلهم ورأيهم فيما يجرى فى البلد. أما السيارة الوزارية والحرس فهى تعزل الوزير عن الناس، وأعتقد أن هذه يؤثر سلبًا على أداء الوزير لمهامه.

الكلام هنا كان بخلفية الثورى القادم من ميدان التحرير.

كان رد الفريق شفيق مقنعًا. قال: المطلب الأول موافق عليه، والمطلب الثانى أرحب به. فأنا أيضا أذهب إلى مكتبى بدون رابطة عنق. والمطلب الثالث أيضا لن نختلف عليه، فيمكن ترتيب مسألة الأمن فى منزلك بأسلوب فعال وبدون كشك حراسة أمام المنزل. أما المطلب الرابع فلا أستطيع الموافقة عليه. فأنت لا تستطيع كوزير الذهاب إلى مكتبك عن طريق المترو أو المواصلات العامة. فهناك اعتبارات تتصل بأمن وسلامة الوزراء تستدعى أن ينتقل فى سيارة وأن يرافقه حرس طول الوقت. وجدت أن إجابات وتوضيحات الفريق شفيق مقنعة، وأنه أبدى فى حديثه معى مرونة واضحة.

قلت للفريق شفيق: يبقى السؤال الأهم بالنسبة لى: «ما هى حدود سلطتى كوزير فى اتخاذ القرارات؟»، أجاب سيادته: «سلطتك محدودة بشىء واحد فقط، هو قدرتك على إقناع مجلس الوزراء بوجهة نظرك». والحقيقة أننى كنت أتوقع هذه الإجابة، لكنى كنت أريد أن أسمعها منه، لأنها تضع الكثير من النقاط فوق الحروف، شعرت بارتياح كبير من المكالمة الهاتفية مع الفريق أحمد شفيق فقلت له: على بركة الله، موافق على الانضمام للحكومة.

مرت عدة أيام على المناقشة الطويلة مع الفريق شفيق. وانشغلت بشؤونى الخاصة وميدان التحرير والتجمع وبالشأن العام. ونسيت موضوع الوزارة تماما ولكن فجأة دق جرس الهاتف، وكان المتحدث على الطرف الآخر الدكتورة عزة كريم، شقيقة زوجتى، تخبرنى بأنهم فى مجلس الوزراء يحاولون الوصول إلىّ بأى طريقة، وأنهم طلبوا منها أرقام هواتفى فأعطتها لهم. وبعد قليل رن جرس الهاتف وأخبرنى المتحدث بأنه من الأمانة العامة لوزارة الدفاع وأنه مطلوب منى أن أحضر فى مقر وزارة الدفاع بشارع الطيران فى مدينة نصر الساعة الرابعة عصرا لحلف اليمين. حسبما أتذكر، كان ذلك حوالى الساعة الواحدة ظهر يوم الثلاثاء 22 فبراير 2011. كيف أقوم بحلف اليمين بعد ثلاث ساعات فقط؟ فأنا عشت طوال عمرى خارج السلطة، والأمر يحتاج إلى قدر من الاستعداد النفسى.

لا بد أن أذكر أنه عندما انتشر خبر قبولى الانضمام إلى حكومة الفريق شفيق، حدثت ردود أفعال واسعة ومتباينة. فهناك أولا من الأصدقاء والزملاء من اعتبرها انتحارًا سياسيًا ونهاية غير موفقة لتاريخى السياسى. بل إنهم قالوا «إنه يدمر تاريخه السياسى». آخرون كان تقديرهم أن المهمة صعبة إلى حد الاستحالة، وأن الظروف غير مهيأة بالمرة لعمل أى شىء، وبالتالى ستكون النتيجة المحتومة فى رأيهم هى الفشل المؤكد. وهناك ثانيا من الأصدقاء من داعبنى قائلا «مبروك، عدمت عزوبيتك»! إلى هذا الحد كان موضوع قبولى منصب الوزارة محل جدل كبير.

وهناك ثالثًا موقف الزملاء فى حزب التجمع، الذين قالوا إنه ليس من حقى أن أقبل المنصب الوزارى دون التشاور معهم والحصول على موافقة الحزب تأكيدا للانضباط الحزبى. وقد سارع بعضهم للإعلان عن رأيه هذا فى الإعلام، مما بدا كمواجهة كنا جميعا فى غنى عنها. ولم أشأ لهذه المواجهة أن تتطور فتحرفنا عن المهمة الأساسية، وهى تقديم شىء نافع للناس الغلابة وللوطن فى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد. حاول الإعلام جاهدا كعادته أن ينفخ فى نار الاختلاف كى يؤجهها. ولكننى امتنعت تماما عن التعليق على أى أسئلة بخصوص موقف التجمع الرافض لقرارى بقبول الوزارة. ولكن كان من الضرورى أن أوضح لزملائى فى حزب التجمع أن اختيارى للمنصب كعضو فى الحكومة جاء على أساس شخصى لا سياسى. فالحكومة التى كان يشكلها الفريق شفيق لم تكن حكومة ائتلافية بل حكومة غير ائتلافية. ولو كانت الحكومة التى يجرى تشكيلها حكومة ائتلافية، ففى هذه الحالة أكون ملتزما بموقف الحزب ويكون الموضوع مما يخص مستوى الحزب ويوجب الحصول على موافقته، لكن الأمر كان خلاف ذلك. تفهم الزملاء فى التجمع، وانصرف الإعلام، وانتهى الأمر.

المهم أنه يوم حلف اليمين لم تكن سيارتنا متاحة، فقد أخذتها زوجتى منذ بداية اليوم وخرجت لمتابعة مشاغلها اليومية، وكان الحل الوحيد هو الذهاب إلى مقر وزارة الدفاع بسيارة أجرة (وكان ذلك قبل عصر أوبر وكريم!). وقد حدث عند وصولى إلى البوابة العمومية لوزارة الدفاع أن سألنى الحارس عما أريد، فقلت إننى فلان وجئت لحلف اليمين مع الوزارة الجديدة وانتفض سائق التاكسى بعد أن عرف هوية الراكب. ولم يستطع حرس البوابة رغم تمالكهم بحكم وظيفتهم أن يخفوا دهشتهم بعد أن اكتشفوا من أنا. واصطحبنى أحدهم إلى مقر الاجتماع، وأعتقد أننى كنت آخر من وصل إلى مقر الاجتماع. وفورا تعرفت على معظم الأشخاص الحاضرين: الدكتور يحيى الجمل، والسيدة فايزة أبوالنجا، الدكتور عمرو عزت سلامة، والدكتور أحمد جمال الدين موسى، والدكتور ماجد عثمان، والأستاذ منير فخرى عبدالنور، والمهندس محمد عبدالمنعم الصاوى. وكان هؤلاء ضمن مجموعة من 12 شخصا سيحلون محل نظرائهم فى وزارة أحمد شفيق الأولى فقد كان هذا تعديلا وزاريا كلف به أحمد شفيق بعد رحيل مبارك فى 11 فبراير 2011. ضمت الوزارة عضوين من المعروفين بمعارضتهما نظام مبارك هما الأستاذ منير فخرى عبدالنور والعبد لله.

وأتوقف هنا عند تجربتى فى حلف اليمين أو القسم الوزارى. وزعوا على كل منا نسخة من نص القسم. وكان المعتاد عندما يتم النداء على الشخص أن يتقدم خطوات محسوبة على سجادة حمراء ثم يتوقف على مسافة محددة من المشير طنطاوى، وفى جانب القاعة على يمين المشير طنطاوى يقف الفريق أحمد شفيق والدكتور يحيى الجمل. ثم يبدأ الوزير المنتظر حلف اليمين بالقراءة من الورقة. المشهد فيه قدر من الرهبة، خصوصا بالنسبة لمن يخوضون التجربة للمرة الأولى، وقد كنت من هؤلاء. ولكننى قررت أن أنطق بالقسم الوزارى من الذاكرة ولا أعتمد على النص المكتوب. حدَّثْت زميلى الأستاذ منير فخرى عبدالنور فى الأمر فنصحنى ألا أحاول؛ فالموقف صعب والعملية كلها يجرى تسجيلها تليفزيونيا ولا مجال لأى خطأ أو تردد. قلت له إننى أفضل أن أقوم بإلقاء القسم مرتجلا من الذاكرة دون الاعتماد على الورقة المطبوعة، لاحظت ازدياد القلق والتوتر على «منير»، واشترك فى المناقشة زملاء آخرون، وأجمع الكل على أن أتخلى عن هذه الفكرة لأن أى خطأ سيسبب لى إحراجا شديدا أنا فى غنى عنه، لكننى أخبرتهم أننى مصرّ على خوض التجربة كما أراها، ولدىّ شعور بالثقة أننى سأستطيع أداء القسم من الذاكرة دون الحاجة إلى النص المكتوب وقد كان، ومر أداء القسم على خير.

ومن المفارقات أيضا أنه فى أول اجتماع لمجلس الوزراء ذهبت بدون ارتداء رباط العنق (الكرافتة). وعندما قابلنى مدير مراسم مجلس الوزارء بادرنى بالتحية ثم أشار من طرف خفى إلى ضرورة ارتداء الكرافتة. فتشاغلت عنه وتركته لأتحدث مع أحد الزملاء دون أن أعلق على كلامه، ولكنه فهم مقصدى جيدا؛ حيث إنه لم يبد أى ملاحظة حول موضوع الكرافتة مرة أخرى. وبمناسبة موضوع «لبس الكرافتة» أتذكر واقعة طريفة أيام الصبا. فعندما تم تعيينى معيدا بكلية الاقتصاد استدعانى الدكتور زكى شافعى، عميد الكلية، إلى مكتبه وكان ذلك فى شهر يوليو تقريبا. وسألنى إن كان هناك تغير فى حياتى. فقلت: «لقد أصبحت معيدا» فقال: «لماذا إذن لا تلبس بدلة وكرافتة» أجبت أستاذى على الفور متسائلا «هل تريد منى عملا أم منظرة؟». الجو حار كما ترى سيادتك وإذا لبست الكرافتة مضطرا يضايقنى الجو الخانق ولا أستطيع أن أعمل بكفاءة. فماذا تختار: الكرافتة أم الشغل؟، بعدها أبدى الدكتور زكى شافعى مرونة كافية، وصرف النظر عن موضوع الكرافتة.

المهم، حلف أعضاء الحكومة اليمين، وبدأت أول اجتماعاتها. ثم انصرف كل وزير إلى وزارته لتدبير شؤونها. بالنسبة لى فإن وزارة التضامن والعدالة الاجتماعية تشمل وزارتين فى حقيبة واحدة وزارة التموين ووزارة الشؤون الاجتماعية وهى الوزارة المعنية بالفقراء والمهمشين، أو الغلابة كما اصطلح على تسميتها. صحيح أننى أشعر جيدا بآلام الناس وآمالهم، لكنى لا أعرف خلفيات الوزارة التى توليتها، ولا هيكلها الإدارى، ولا القوانين واللوائح التى تحكم عملها، فقد انتقلت كأستاذ للاقتصاد فجأة من الجامعة إلى الوزارة، مرورا بميدان التحرير ولم أعمل يوما واحدا فى السلطة باستثناء فترة قصيرة قمت فيها بمهمة مستشار لوزارة الاقتصاد. كانت المهمة صعبة، والإعلام يلاحقنى. ملفات الوزارة، الفساد، المستشارين، البوتاجاز، قانون الجمعيات الأهلية، ملف القمح، مطالب غرفة أصحاب المخابز، وفى الخلفية كان هناك الحراك الثورى فى ميدان التحرير على بعد خطوات من مكتبى فى ديوان عام وزارة التموين.

كنت أنتقل بالتناوب بين مكتبى فى العجوزة (وزارة الشؤون) ومكتبى فى قصر العينى (وزارة التموين). لذلك أطلقت عليهما «السيدة» و«وسيدنا الحسين»، من وحى أغنية محمد عبدالمطلب الشهيرة «م السيدة لسيدنا الحسين». وكثيرا ما كنت أعجز عن الوصول إلى مكتبى فى قصر العينى لإغلاق الشوارع بسبب المظاهرات، فألجأ إلى مكتبى فى العجوزة أو فى لجنة المساعدات الأجنبية فى مدينة نصر.

ولعل أكثر ما أزعجنى فى البداية هو رغبة بعض الموظفين فى القفز إلى أذن الوزير والاستئثار بها بدعوى أنهم الأكفاء والمخلصون دون سواهم. كان لا بد من ممارسة أكبر قدر من الحكمة والتدبير حتى لا أقرب منى «متسلقًا» هلفوتًا ولا أبعد عنى مخلصًا. كما أن الكفاءة والنزاهة قد لا تجتمعان فى شخص واحد دائما. هنا لا بد من عمل اختبارات ومن قدرة على التمييز بين الصالح والطالح. كما كانت المطالبات كثيرة بإزاحة فلان أو التخلص من فلانة من العاملين بمكتبى بدعوى أنهم سيئون. كل ذلك يزيد من الضغوط علىّ لتتبع الصواب وتجنب الخطأ، وهذا ليس بالأمر السهل فى الكثير من الأحيان، لكنه جزء من البيئة المحيطة بالوزير.

فى أول يوم لى فى «التموين» دخلت على مديرة المكتب فوجدتها تحمل رصة كبيرة من الأوراق والملفات. سألتها عما تحمل، فقالت البوستة (البريد) يعنى خطابات ومذكرات تطلب منى توقيعها. أذهلنى حجم ما كانت تحمله، وطلبت منها أن تقوم بتصنيفه إلى مجموعات حتى أعرف بالتحديد طبيعة تلك الأوراق. وبعد التصنيف أشارت إلى كل مجموعة قائلة «هذه ترقيات موظفين، وهذه مناقصات شراء قمح، وهذه مزايدات بيع خردة».. ثم أشارت الى أكبرها قائلة «هذه طلبات استخراج بطاقات تموينية».

لم أستطع إخفاء اندهاشى، فسألتها «هل مطلوب من الوزير أن يمهر بتوقيعه الكريم طلبات الناس فى كل مكان فى مصر للحصول على حقهم المشروع فى بطاقة تموينية؟»، أجابت مديرة المكتب بأن هذا هو المتبع، وأن سلفى فى الوزارة الدكتور على المصيلحى كثيرا ما كان يبقى فى المكتب حتى منتصف الليل لتوقيع جميع طلبات المواطنين باستخراج بطاقات تموينية. أصابنى ذهول شديد، وأشفقت على نفسى من مصير يمكن أن تسحبنى فيه دوامة البيروقراطية، فلا أستطيع عمل أى شىء ذى قيمة. سألتها متهكما: «يعنى الحاج أبو سريع من محافظة أسوان يحتاج إلى بطاقة تموينية وإلى أن أقوم باعتماد طلبه؟ ماذا أعرف عن هذا المواطن الغلبان؟ وهل هذه فعلا وظيفتى؟ لقد جئت إلى هنا لوضع سياسات وليس لتوقيع طلبات بطاقات». طلبت منها أن تنحى الأوراق /البوستة جانبا، وأن تستدعى المستشار القانونى.

وجاء المستشار القانونى شرحت له مشكلتى وطلبت منه أن يعد مشروع قرار وزارى بنقل سلطة استخراج بطاقات التموين إلى مديرى المديريات باعتماد طلبات المواطنين وتحت مسؤوليتهم وطبقا للقواعد العامة الموضوعة من قبل الوزارة للاستحقاق (القرار الوزارى رقم 23 لسنة 2011). ولقد أحدث هذا التعديل انفراجة كبيرة، فبعد أن كان الأمر مركزا فى يد شخص واحد هو الوزير، الذى هو أصلا مثقل بأعباء كثيرة وليس لديه وقت، تم نقل المسؤولية إلى 27 شخصا على مستوى المحافظات. بهذا أمكن تحرير وقت الوزير لأمهات المسائل، بحيث يتفرغ لوضع السياسات بدلا من الانشغال بالتوقيعات. كما تحقق تحريك سريع لهذا الملف، مما يسر على الناس الغلابة، وحتى الآن أصادف أشخاصا لا أعرفهم يقابلوننى ببشاشة وترحيب كبيرين ثم يقول الواحد منهم «انتظرت سنوات للحصول على بطاقة تموين، ولم أحصل عليها إلا بعد مجىء معاليك.. فشكرا جزيلا». وأنا أرد بأننى لم أفعل إلا ما يجب، ولا أستحق شكرا فى المقابل.

وأشد ما كنت أخشاه عند دخولى الوزارة هو إغراء السلطة أو غواية السلطة. فالوزير فى وزارته مَلِكٌ غير متوج. فهو الآمر الناهى، آراؤه خلاصة الحكمة، وتوجيهاته أوامر لا ترد. الحراس فى كل مكان، والحجاب عند كل باب. كلمة «معالى الوزير» كانت تزعجنى كثيرا، بل تخيفنى وأنا القادم من صفوف المعارضة عبر ميدان التحرير. لقد كان أحد أكبر مخاوفى هو أن أتغير بمرور الوقت، بحيث تصبح كل هذه التفخيمات أشياء معتادة وأعتبرها من ضروريات الحياة. عندئذ سيصعب علىّ اتخاذ الموقف الصحيح، حتى ولو كان الشأن ذا خطر. فى هذه الحالة سوف تعلو المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، فيبدأ الانحدار وأخسر نفسى.

الاخبار ،وظائف ،عملات وسلع ،الفن ،جرائم بلاد برة، منوعات ،المرأة اسلاميات ،الحوادث ،تكنولوجيا، ثقافة ،صحة ،الرياضة ،أسواق المال

قد تقرأ أيضا