الارشيف / الاخبار / أخبار مصر / المصرى اليوم

الميت الظريف!

القصص الجيدة تدفعنى للنشر بكل سعادة. ويبدو أن طول معاشرة د. أبواليزيد فؤاد، أستاذ مساعد الطب الشرعى، للجثث قد ألهمه أفكارا طريفة.

■ ■ ■

«الحمد لله؛ لقد نجوت هذه المرة أيضا. نفس النوبة البغيضة من ألم الصدر والعرق الغزير مع دوخة شديدة، ويغيب عنى إدراكى ثم أستعيد وعيى بالتدريج. وها أنا ذا أرقد فى غرفتى الآن.

ولكن ما هذا الذى أرقد عليه؟ شىء ما معدنى يشبه الأريكة المفرودة ومثقوب من الجوانب! ثم ما هذا البرد الذى أحسه؟ أحاول أن أحكم ملابسى، ولكنى ويا للهول بدون ملابس، إلا من سترة بيضاء تغطى عورتى!

بدأت أفهم بالتدريج. أنا لم أنجُ هذه المرة. يا إلهى أنا ميت!

■ ■ ■

ما الذى يجب أن أفعله؟ أصرخ؟ أستغيث؟ ولكنى- أيها السادة- لا أحس جزعا ولا خوفا، بل يغمرنى سلام لطيف.

أرانى ابتسم وأنا أطلب منهم فى أدب جم- لم تألفه أسرتى منى- أن يصبح الماء أكثر دفئا.

أتوسل للرجل الواقف يعبث بجسدى: «خف إيدك شوية يا حاج».

ولكن مهلا! إنه عم خشبة الحانوتى. أتذكر مرورنا صغارا ومناداتنا عليه: «عم خشبة.. يا عم خشبة. وعندما يلتفت إلينا نجيبه: يغسلوك فى كنكة» ونهرول مبتعدين. لم يكن يغضب، بل كان يبتسم، لأنه يعلم أنه سيغسلنا يوما ما.

■ ■ ■

تخرجنى صرخات من حولى من ذكرياتى، فألتفت لمصدر الصرخات. يااااه إنه عمّى إبراهيم الذى بلغ الثمانين! شكرا عمى، مردودة لك إن شاء الله.

من هذا الرجل الواقف أقصى يسار الغرفة؟ صديقى الصعيدى حسن، باعدت بيننا السنوات، وتوقفت الاتصالات، ولكنك أتيت الآن.

أين أحمد ابن عمى ورفيق عمرى؟ كم أوصيتك ألا تتركنى، وكنت تداعبنى قائلا: «بس اعملها انت وملكش دعوة». ها أنا مت يا أحمد فلما لم توفِ أنت بوعدك، أم نسيت أيها الوغد الـ10000 جنيه التى أقرضتك إياها، ولم ترجعها؟

ولكن مهلا! أين كل ما سمعته عن الموت؟ أين هم الأعزاء الذين سوف تصافحنى أطيافهم؟ أين وجه أمى ومسبحة أبى، أم أن هذه هى أول مكاسب الآخرة؟ ولكن هل تستحق يا فالح حياة أخرى سعيدة؟ أنسيت هفواتك وزلاتك، وكم أغوتك الشياطين؟!

■ ■ ■

يا إلهى النهاية بدت وشيكة، فقد بدأت الوجوه فى التباعد والأصوات فى التلاشى، عم خشبة يلملم حاجياته، ويعد رزمة أوراق مالية قدمها له ابنى الأكبر. أصرخ فيه: ما كل هذا المبلغ يا أرعن؟

صندوق معدنى أنيق يتسلل بخفة إلى الغرفة. أحس بخوف، وتتسارع دقات قلبى الميت بشدة حتى إننى أخشى أن أموت من جديد!

يحملنى ثلاثة رجال أشداء إلى الصندوق. يفلت أحدهم يداه فجأة، فأرتطم بقوة بقاع الصندوق وأصرخ ألمًا: «يا عم حرام عليك أنا عندى ديسك».

يحكم عم خشبة غطاء الصندوق ليسود ظلام أبدى.

قد تقرأ أيضا