الارشيف / الاخبار / أخبار مصر / المصرى اليوم

نادى الشرق الأدنى للأرمِن

اشترك لتصلك أهم الأخبار

الأسبوع الماضى، أُقيم على شرفى صالونٌ فكريٌّ راق، فى نادى «الشرق الأدنى للأرمن» بحيّ شبرا. أقام الصالونَ نخبةٌ من المثقفين المصريين من ذوى الأصول الأرمنية. وكان ذلك اللقاءُ الثريُّ بمثابة تدشين لأول صالون فكرى ثقافى فنيّ فى حى شبرا العريق، الذى يُعوزه ذلك النوع من النشاط التوعوى. مَن يصدّق أن هذه القاعة الأنيقة المُنظّمة، وما حولها من حدائق مبهجة تسرُّ الناظرين، كانت بالأمس القريب مجرد أرض خربة موحشة، حولّها فريقٌ من المثقفين الأرمن من أبناء شبرا إلى نادٍ ثقافى أنيق مُجهّز بأحدث تقنيات العرض وخشبة مسرح مؤهلة لاحتضان الصالونات والمؤتمرات والمسرحيات وعروض الأفلام؟ّ!

وبالحقّ كان الصالون مدهشًا ودافئًا وثريًّا بالحوار التفاعليّ العميق، بينى وبين الحضور النوعيّ المثقف، حاشدًا بالوطنية المصرية المتجذرة فى قلوب تلك الجالية النبيلة التى أحبّت مصرَ، «مِصرَهم» كما هى «مصرَنا»، مثلما لم يُحبّها عِرقٌ من الأعراق التى استوطنت مصرَ وطنًا ثانيًا، وتدثّرت بثوب جنسيتها العزيز. وليس أدلّ على ذلك إلا حال الإثراء الفكرى والفنى والاقتصادى والاجتماعى التى صنعتها الجاليةُ الأرمنية فى مصر فى أوائل القرن الماضى ومنتصفه، وحتى الآن.

ولطالما احترمتُ ذلك العِرق النبيل، الذى أثرى العالمَ بفنونه وثقافته، والذى تحمّل من الفظاعات والبشاعات العنصرية البغيضة، ما يُدوَّن فى مجلداتٍ وملاحمَ دامية؛ حتى صارت كلمة (الأرمن) متلازمةً للشعور بالخزى والخجل مما فعلته بهم الدولة العثمانية الفاشية، فى مطالع القرن الماضى، من تهجير قسرى وتجويع وإظماء وإبادات جماعية موجعة. ولهذا حديثٌ مُرٌّ ذو شجون، ربما أعودُ إليه فى مقال.

وفى بيتى الصغير بالقاهرة، أحتفظُ بقطع فنيّة أرمنية بديعة، غالية على قلبى. وهى لوحات فائقة الجمال تُصوّر أمى بثوب الزفاف، وحدها أو جوار أبى فى يوم عُرسهما، ثم فى شهر العسل، بعدسة الفنان الأرمنى الأشهر، «ڤان ليو»، صاحب الظلال المشرقة، والتوقيع الأنيق، الذى كان بمثابة «بصمة فخر» لمن أسعده حظُّه بفوتوغرافيا تحمل توقيعه الشهير: Van Leo. «ڤان ليو» هو المصوّر الرسمى الخاص لمشاهير مصر فى العصر الذهبى، مثل طه حسين، فاتن حمامة، عمر الشريف، سعاد حسنى، مريم فخرالدين، أحمد مظهر، رشدى أباظة، زبيدة ثروت، صباح، نيللى، فريد الأطرش، وغيرهم من أساطين الفن وفاتنات الشاشة.

والآن أصبح فى بيتى قطعةٌ أرمنية فريدة أخرى، بعدما أهدتنى سيدةٌ أرمنية جميلة اسمها «سيلڤيا كشيشيان» موسوعةً أنيقةً مُصوّرة تضمُّ جميع لوحات رسام الكاريكاتور الروسى الأرمنيّ المصرى الشهير: «ألكسندر صاروخان» الذى ولد فى القوقاز عام ١٨٩٨، ثم هاجر إلى مصر فى شرخ شبابه، واستقر بها، وحصل على الجنسية المصرية، حتى غادرها، وغادرنا إلى السماء فى غُرّة عام ١٩٧٧، بعدما أثرى مجلات مصر وجرائدها مثل «روزاليوسف، الجديد، أخبار اليوم، المستقبل، وكذلك مجلات وجرائد فرنسية وأرمنية شهيرة، بمئات، بل آلاف الرسومات الكاريكاتورية اللاذعة، التى انتقدت الأوضاع السياسية والاجتماعية فى مصر والعالم العربى.

ويستحق هذا الفنان العظيم الذى ابتكر شخصيات كاريكاتورية شهيرة مثل: «المصرى أفندي»، «مخضوض باشا»، «إشاعة هانم»، «العمّ سام»، أن تُفرَد له دراساتٌ مستقلة. وأما الكتاب الجميل الذى يُزيّنُ مكتبتى الآن، فهو من إعداد وتقديم «هرانت كشيشيان»، الذى أوصى السيدةَ سيلڤيا بإهدائى الكتاب الموسوعيّ، فى الصالون، وأنا بدورى أشكرهما الآن جزيل الشكر، على الهدية القيّمة.

وكانت محاضرتى بالصالون حول «إعادة بناء الإنسان المصري». وفكّرتُ أن أطرح فكرة طالما آمنتُ بها: «البناءُ عن طريق الهدم». فالحقُّ أننا نولدُ أبرياءَ. مُتخفّفين من كثير من الأدران المجتمعية والسلوكية والفكرية والنفسية المقيتة، التى تتجذّرُ فينا يومًا بعد يوم حتى تنتهى بانهيار أرواحنا. نعم، نولد أبرياءَ أنقياءَ ناضجين، ولكن تجارب الحياة وهمومها وصدماتها وقساوتها، تظلُّ تنحر فى براءتنا حتى تُفقدنا الشىء الكثير. فكيف نعاود بناء إنسانيتنا، عن طريق «الهدم»؟ ولهذا حديث آخر.

قد تقرأ أيضا