الارشيف / الاخبار / أخبار مصر / بوابة الشروق

مسابقة علنية لاختيار المحافظين

شاهدنا جميعا الاختبار الذي أجراه الرئيس لمحافظ القاهرة يسأله عن دخل صندوق العشوائيات، ودخل المحافظة، وعدد الكباري التي أقيمت في المحافظة خلال السنوات الأربع الماضية، وقد فشل المحافظ في الإجابة عليها جميعا، مع العلم أنه قد تقلد منصبه منذ 30 أغسطس العام الجاري. ونذكر أن الرئيس لفت نظر نفس المحافظ في 9 سبتمبر إلى عدم تنفيذ تعليماته السابقة بإصلاح أعمدة الإنارة في طريق المطار.
الشاهد من الموقف ليس انتقاد شخص المحافظ، وإنما السؤال عن كيفية تعيين القيادات في بلدنا، ومعايير "الكفاءة" التي يجري وفقا لها الاختيار، ومسألة "الوطنية" التي يُقحمها البعض في موضوعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، اللهم إلا المزايدة والسلام.
يسترعى انتباهي أن كل منح السفر إلى الخارج تقريبا تطلب من المتقدم "خطاب حافز" Motivation Letter ، أو سيرته الذاتية موضحا بها إنجازاته في مجال التخصص، والإجابة على أسئلة استمارة تستقصي عن دوافعه، وكيف يمكن للمنحة أن تغير حياته، وبماذا سيفيد الآخرين من حوله إذا نالها، وأحيانا تُجرى مقابلة شخصية أو أكثر، وقد يكون مطلوبا اجتياز اختبارات معينة، أو يُطلب تقديم خطة عمل أو ورقة سياسات تخص الفرصة موضع المنافسة.
كل هذا لمجرد منحة سفر ستتراوح ما بين أسبوع وثلاث سنوات، لشخص واحد سيبني مستقبله في الأساس، ويؤثر فيمن حوله، عشرات أو مئات الأشخاص أو آلاف قليلة على الأكثر، ومع ذلك توضع الشروط، وتقاس الكفاءة، وتتحرى الدقة؛ للتأكد أن الاختيار على أفضل ما يكون، وأن الأموال والجهود والوقت و"الفرصة" الذي ستقدم لهذا الشخص لن تضيع هباء.
هنا أطلت فكرة اختيار القيادات في رأسي.. كيف يتم اختيار قياداتنا؟
بحثت في الأمر..
لم أعثر على ما يشبع رغبتي في المعرفة، وكيف لي أن أعرف والمعايير طيّ الكتمان، والشفافية في مثل هذه الأمور "ضيف ثقيل".
أرسلت إلى وزارة التنمية المحلية أسأل عن معايير اختيار المحافظين، وجاء الرد ان من بين هذه المعايير ان"رئاسة الجمهورية هى التى تقوم بالترشيح، واختيار المحافظين يتم بناء على تقارير الجهات الرقابية". بحثت على شبكة الانترنت فلم أجد "معايير اختيار المحافظين"، فقط أشار موقع وزارة التخطيط إلى اجتماع الوزيرة بالمحافظين الجدد خلال الدورة التدريبية لهم حول "مهام المحافظ"، والتي نظمتها وزارة التنمية المحلية، بينما لم يُشر موقع الأخيرة إلى المعايير التي تم اختيار المحافظين وفقا لها، وكشفت ورقة عمل أعدت عام 2016، ونشرها موقع "الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة" عن أن "الاختيار للوظيفة العامة يكون على أساس الولاء للنظام السياسي ، مع عدم الأخذ بالتجارب العالمية في مجال تعيين القيادات"، وأوصت بوجود "إدارة للتخطيط الاستراتيجي للوظائف على مستوى الدولة".
الخلاصة هي أن اختيار محافظ يخضع لترشيحات من داخل دهاليز الحكومة، ويأتي "الأوكيه" من الأجهزة الرقابية والأمنية، بعد مقابلة أو أكثر مع المرشحين للمنصب، ومع تلميع إعلامي يؤكد أن الرجل صالح للمنصب.
وتبقى هذه الطريقة ليست الأفضل.
قد يطرح البعض "الانتخابات العامة" كآلية مثلى لاختيار المحافظين، وهنا دعني أروِ لك "قصة قصيرة حزينة"، عقب أول جلسة للبرلمان الحالي، أجريت حوارا مع برلمانية شابة، كان توقعي أنها ستبهرني بما لديها من أفكار، وما نالته من تعليم، وما تملكه من خبرات. الفاجعة كانت أن النائبة مكثت في المنزل بضعة سنوات منذ تخرجت في جامعة حكومية، حتى انضمت إلى "قائمة ما"، وفازت معها؛ لأن عائلتها وعائلة زوجها هما الأكبر في دائرتها الانتخابية! وهكذا أمست الفتاة محدودة التأهيل تشرّع القوانين، وتراقب الحكومة، وتراجع الميزانية، بدون أن يسبق لها الاحتكاك بأي عمل عام ولا حتى خاص! ويعلم الله أنني لا ألومها ولا أسخر منها، بل أشفق عليها، وأشفق على من ينتخبون بهذه الطريقة، وأنبه إلى خطورة أن يستمر الاختيار في الانتخابات وفقا للعصبيات!
ولعلي أقترح طرح مسابقة علنية تنافسية لمنصب المحافظ، يُشترط فيها أن يكون المتقدم حاصلا على مؤهل عالٍ، وأن يتراوح عمره ما بين 35 و55 عاما، مع التقدم بما يثبت قدرته على القيادة، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، من واقع خبراته السابقة وأنشطته المجتمعية، وكذلك خطة واضحة وتفصيلية لما يمكن أن يقدمه للمحافظة وأهلها، وتتم تصفية المتقدمين بموجب أوراقهم، عن طريق لجنة تتضمن العناصر الأمنية والرقابية (ولا عيب في ذلك)، مع خبراء في الإدارة المحلية، وغيرها من التخصصات العلمية المرتبطة بالطابع الاجتماعي والنشاط الاقتصادي السائدين في المحافظة، ثم تتم المقابلات الشخصية مع أفضل ثلاثة مرشحين مثلا بمعرفة رئيس الحكومة ووزير التنمية المحلية، ليتم الاختيار منهم، وربما أسمح لنفسي ببعض من "الحُلم الجميل" إذا اقترحت إجراء مناظرة علنية بين أفضل مرشحين للمنصب، لتتم تدريجيا توعية الرأي العام المحلي في المحافظة بأهمية الاختيار وفقا لمعايير؛ ليمثل شريكا واعيا في الاختيار.
أظن، وليس كل الظن إثم، أن تلك الآلية ستسفر عن نتائج

تابع من المصدر

قد تقرأ أيضا