الارشيف / الاخبار / أخبار مصر / موقع مصراوى

طيور دمياطية مهاجرة على عرش صناعة الأثاث في العاصمة الاقتصادية لتونس

صفاقس- أ ش أ:

لا يكاد وجود المقيمين المصريين في تونس يمر دون ذكر مجموعة كبرى من صناع الأثاث بدمياط، الذين يشكلون وأسرهم غالبية المصريين هناك، حيث يتركزون في العاصمة الاقتصادية لتونس "صفاقس".

وفرض أولئك الصناع المهرة عبر ما يقرب من 30 عاما صناعتهم وفنهم وامتزجوا بتونس لتختلط لهجتهم الفريدة بلكنة أبناء البلد الشقيق، كما يزين أثاثهم المزخرف بنقوش "الأويما" منازلهم.

ويرجع تاريخ قدوم كثير من أولئك الصناع إلى فترة التسعينيات، حين وجدوا ضالتهم في هذا البلد "تونس" الذي كان يتوق إلى هذه الصناعة المميزة المتقنة، فأثروا صناعة الأثاث وأبدعوا في فنونها طوال هذه السنوات.. وعلى الرغم من تراجع أعدادهم إلا أن تأثيرهم مازال يفرض نفسه بمنتجات هي الأكثر جودة وإبداعا، فضلا عن أنها الأقل سعرا في السوق التونسية.

"إذا ابتعدنا عن الشغل نتعب ونمرض.. هذه عقيدة عند الدمياطي"، هكذا بدأ أحمد عماشة أحد صناع الأثاث حديثه - لوكالة انباء الشرق الأوسط - بينما كان منهمكا في العمل في قطعة أثاث والعرق يتصبب من جبينه. وواصل كلامه بالحديث عن طباع أهل دمياط في حب العمل حد الإدمان، مضيفا: "هذه حياة الدمياطي لا تتبدل سواء داخل مصر أو خارجها، فهو يحب الخدمة".. وتابع باللهجة التونسية: "حتى لو لم يوجد بيع ولا شراء نشتغل".

واستطرد أحمد عماشة: "خرجنا من مصر لتأمين معيشة أولادنا.. وبعد أن بدأنا مشروعاتنا أصبح لا يمكننا أن نرجع فيما بدأناه، فواصلنا وعشنا هنا.. نصف عمري قضيته في هذه البلاد، أكثر من 30 عاما.. نحن طيور مهاجرة".

ويرى عماشة أن الأثاث المصري أصبح رقم واحد في تونس بدون شك أو جدال، قائلاً: "لو لم يكن الأمر كذلك ما كان لنا أن نستمر ونعيش وسط التونسيين كل هذه السنوات.. فسمعتنا والتزامنا أمور تسوق إلينا الزبائن.. أنا مصري وهذا هو مصدر شهرتي، وهذه هي علامة الجودة وكفى".

ولفت إلى أنه في بداية عمله كان التونسيون يبيعون المنتجات باسمه ويقولون للزبائن "عندنا منتجات لصانع أثاث مصري".

أما كارم الجعيدي فيعرف في تونس بعميد الجالية المصرية، وصرح لوكالة أنباء الشرق الأوسط بأنه خلال فترة حكم الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي كان عدد صناع الأثاث المصريين المقيمين هم وعائلاتهم في صفاقس يصل إلى 1500 شخص، مشيرا إلى أنهم حاليا لا يتجاوزون من 400 إلى 500 شخص.

ونوه بأن منتجات الأثاث المصنعة بأيدي مصرية مازالت تحتل 30% على الأقل من معرض الكرم الدولي للأثاث، والذي يقام سنويا بالعاصمة التونسية، حيث يعد "الاستيل المصري" معروفا وشهيرا.

واستحضر الجعيدي زمن قدومه إلى صفاقس في التسعينيات، قائلا "أتيت من دمياط بعد التعاقد مع أحد أصحاب معامل ورش الأثاث التونسية، وكانت أغلب المعامل تضم من 20 إلى 30 عاملا كلهم من المصريين".

وقال أحمد العزب أحد الصناع في ورشة أخرى، وهو يواصل مع أخيه عمله قبل استراحة الغداء وقت الظهيرة، "حضرت لتونس منذ عام 2001 من مدينة دمياط حيث كنت ومازلت أعمل "أويمجي"، فوجدنا شعبا طيبا ومهذبا ويحبنا، وتميزنا في مجالنا".

وأضاف: "ما جعل التونسيين يتجاوبون مع منتجاتنا أننا متميزون.. فنحن نقوم بكل شيء بداية بالتصميم ومرورا بجميع خطوات التنفيذ، حتى أشكال الموبيليا الصعبة التي تحتوي (دورانات) وما شابه ذلك تعد سهلة بالنسبة لنا، كما أنه لا يوجد من يعمل بالمواد الخام غيرنا.. ويعني ذلك أننا نحضر الخشب ونرسمه ونشكله حتى خطوة الدهان، وكل هذا قائم على العمل اليدوي".

ورغم نجاحه في السوق التونسية وإحضار عدد من أقاربه وإخواته للعمل معه، يحلم أحمد العزب بيوم العودة والاستقرار في مصر، متابعا "أحب أن أعود إلى مصر في النهاية.. فأمي وأبي هناك ومصر دائما بداخلي وفِي روحي، رغم أن زوجتي وأولادي وأخوتي معي هنا في صفاقس".

وفي ورشة أخرى، كانت أعمال خالد محمود شطا من الموبيليا المتقنة والمزخرفة بالأويما تملأ المكان فيشعر الناظر لها بأنه في قلب أحد معاقل صناعة الأثاث المصرية البديعة.

وقال شطا: "إن سر تميز المصريين في تونس أنهم أحسنوا تمثيل بلادهم بالوفاء بالمواعيد والصدق، فيكفي أن يحصل العميل على السلعة فيدعو له بالخير بعد استلامها والتأكد من جودتها.. وما من زبون يأتيني إلا وأسمع منه عبارة "الله يرحم والديك"، وهذه الجملة هي سر الستر الذي نتمتع به، وهي أحسن لدي من المال".

وأكد خالد شطا أن الموبيليا المصرية المنتجة في صفاقس ذائعة الصيت والانتشار في أنحاء تونس، مضيفا "تختلف صفاقس عن أي محافظة بها صناع موبيليا لوجود المصريين بها، لذا يحضر التونسيون من جميع المدن إليها طلبا للأثاث المصري.. وتذهب منتجاتنا إلى تونس والمنستير وسوسة والقيروان".

وعن العودة لبلده مصر؛ قال شطا "أتمنى.. لكن لا أستطيع أن أهدم ما بنيته هنا طوال سنوات في لحظة".

أما ورشة علم الدين عبدالغني فكانت أقرب إلى المصنع، وقال عبدالغني "ما يجعل الصناعة المصرية تحتفظ بتميزها هو جودة النقش اليدوي على اللوح الخشبي في موبيليا "الاستيل"، أما بالنسبة للأثاث المودرن فالتونسيون متفوقون فيه جدا".

وأضاف عبدالغني، الذي استقر بصفاقس منذ عام 1995، أن الصناعة التونسية في تقدم مستمر منذ التسعينيات حتى الآن، إلا أن الموبيليا المصرية بعيدة كل البعد عن التونسية والتركية والإيطالية، لأن تنوعها لا يمكن الإلمام به، مما يجعلها تفوق جميع هذه الصناعات تميزا.

ويقدر عبدالغني عدد المصريين في صفاقس إبان قدومه في فترة التسعينيات بحوالي من 800 إلى 1000 شخص، منهم نحو 500 عامل.. مشيرا إلى أنه في تلك الفترة بدأ هؤلاء العمال تشييد الورش والمصانع بعد الحصول على الإقامات، موضحا أنه أسس مصنعا عام 1997، ثم تبعه افتتاح معرض كبير للمنتجات، مبينا أنه خلال الفترة من 1999 وحتى 2002 عمل بالمصنع حوالي 25 مصريا، بالإضافة 10 تونسيين.